بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يحدثنا الرسُول بُطرس في الإصحاح الثالث عن علاقتنا العائلية في المسيح يسُوع، في النقاط التالية وهي:-
أولاً: خضـُوع المــــــــــــــــــــــــرأة للرُجل..
ثانياً: الاهتــــــــــــــــــــــــــــــــــــمام بالسيرة..
ثالثاً: عـــــــــــــــــــلاقة الرجل بامرأته..
رابعاً: المسيحي والمضايقين له..

كذلكُن أيتها النساء، كن خاضعاتٍ لرجالكن، حتى وإن كان البعض لا يُطيعُون الكلمة، يُربحُون بسيرة النساء بدُون، ملاحظين سيرتكن الطاهرة بخُوفٍ، ولا تكن زينتكُن الزينة الخارجية (1بط  1 -3)..

كانت الشريعة الرُومانية تُبيح للرجُل أن يتسلّط على زوجته وأولاده كما على عبده وحيُواناته، فلم يكن للنساء أي حقّ مما دفع بعضهن إلى الهرُوب وعندما جاءت المسيحية تُنادي بالحُب، ظن البعض أنها في مناداتها بالحُب والحرية تحث النساء على العصيان، لهذا وجهت الكنيسة وصايا واضحة للنساء خاصة بخضُوعهن لرجالهن (1بط1:3-6)..

يطلب من المُؤمنات أن يخضعن لرجالهن حتى وإن كان البعض غير مطيعين للكلمة، فإنهُم يسمعُون كلمة الكرازة العملية خلال سيرة النساء الطاهرة المملُوءة خُوفاً وتقوى لله، فإن كان لا يليق بها أن تُعلم رجلها لأنه رأسها، لكنها تقدر أن تكسبه للرّب بخضُوعها وسلُوكها الحسن..

ولا تكُن زينتكُن الزينة الخارجية، من ضفر الشعر والتحلّي بالذهب ولبس الثياب، بل إنسان القلب الخفيّ في العديمة الفساد، زينة الرُوح الوديع الهاديء، الذي هُو قدام الله كثير الثمن..

يقرأ هذا النص في قداسات تذكار انتقال المتبتلين، وكأن الكنيسة تُريد أن توجه كُل نفس لتتزين لعريسها الرّب يسُوع بالزينة الداخلية..   

أن الرجال قد يُعجبن بالزينة الخارجية لكن إلى حين، أما ما يجذب قلُوبهُم بحقّ فهُو زينتهن الداخلية، بل وتجذب قلب السيد المسيح أيضاً قائلاً: ها أنتِ جميلة يا حبيبتي ها أنتِ جميلة عيناك حمامتان (نش15:1)..

فإنه هكذا كانت قديماً النساء القديسات أيضاً المُتوكلات على الله، يُزيّن أنفسهن خاضعاتٍ لرجالهن، كما كانت سارة تُطيع إبراهيم داعيةً إياه سيدها، التي صرتُن أولادها صانعاتٍ خيراً، وغير خائفات خوفاً البتة..

يضرب مثلاً بسارة زوجة أب المُؤمنين إذ كانت متزينة:
بالاتكال على الله، فلا تبالي بكلام الناس بل برضاء الله..
بالخضُوع لرجلها حيثُ كانت تدعُو زوجها بمحبة يا سيدي..
صانعة خيراً مثابرة على ما هُو لخلاص نفسها والاهتمام بمنزلها..
غير خائفة، لأن خضُوعها لا عن خُوف العبيد، بل في حُب..
كذلك أيها الرجال، كُونُوا ساكنين بحسب الفطنة مع الإناء النسائيّ كالأضعف، مُعطين إياهُن كرامةً، كالوارثات أيضاً معكُم نعمة الحياة لكي لا تُعاق صلواتكُم، والنهاية كُونُوا جميعاً مُتحدي الرأي.. 

عدّد الرسُول الأسباب التي تدفع الرجل إلى تكريم زوجته فقال:
أنهن آنية ضعيفة يحتجن إلى ترفق حتى لا يهلكن..
أنهن أعضاء لنا، والرأس لا يكُون مُقدساً ما لم تكن الأعضاء مُكرمة..
أنهن شريكات معنا في الميراث الأبدي بلا تمييز بين الرجل والمرأة..

لكي نحفظ سلام القلب والبيت، فتخرج صلُواتنا مملؤة حباً برُوح واحد لا يعُوقها غضب ولا جدال (2تي8:2)، وأخيراً بعدما تحدث عن العلاقات العائلية في الرّب يسُوع المسيح قال الرسُول بُطرس:
والنهاية، كُونُوا جميعاً مُتحدي الرأى بحس واحدٍ،ذُوي محبةٍ أخويةٍ، مُشفقين، لطفاء..

والنهاية، أي غاية هذه الوصايا جميعها أن يكُون ليس فقط بين الزوجين بل نود أن يكُون الكُل برأي واحد، ومشاعر واحدة مملوئين حباً أخوياً وحنُواً ولطفاً، هذه الوحدة طلبها الرّب يسُوع في صلاته الوداعية، وأوصانا بها الرسُول قائلاً: فرحاً مع الفرحين وبكاءً مع الباكين، أنظر الكتاب (يو21:17؛ في27:1؛ 2:2؛ رو15:12؛ 2تي8:2)..

غير مُجازين عن شرّ بشرّ أو عن شتيمةٍ بشتيمةٍ، بل بالعكس مُباركين، عالمين أنكُم لهذا دُعيتُم لكي ترثُوا بركة..

هذه هي دعُوتنا أن نرث البركة، لهذا لا يليق بنا أن نُخرج من داخلنا إلاّ ما هُو للبركة، فلا نقاوم الشرّ بالشرّ بل نغلبه بالخير، ولم يعد غريباً عنا أن ننفذ الوصية: أحبُوا أعداءكُم، باركُوا لاعنيكُم، أحسنُوا إلى مُبغضيكُم وصلُوا لأجل الذين يُسيئُون إليكُم ويطردُونكُم (مت44:5)..
 
لأن مَن أراد أن يُحب الحياة ويرى أياماً صالحةً، فليكف لسانه عن الشرّ وشفتيه أن تتكلّما بالمكر، ليعرض عن الشرّ ويصنع الخير، ليطلب السلام ويجد في أثره، لأن عيني الرّب على الأبرار (10-12)..

دافع آخر وهُو أننا راحلُون إلى أبدية السلام، فنتدرّب على الأرض كمَن هُم في مدرسة على حياة السلام التي نحياها مع ملك السلام، فيليق بنا: نكفُف لساننا عن الشرّ، أي نُعرض عنه كالعبد الذي يخاف سيده..

نصنع الخير ونطلب السلام ونجد في أثره، ليس خُوفاً ولا من أجل أجرة لكن كأبناء لملك السلام لا نحيا ولا نُريد إلاّ أن نتذُوق السلام..

لأن عيني الرّب على الأبرار، وأذنيه إلى طلبتهُم، ولكن وجه الرّب ضد فاعلي الشرّ، فمَن يُؤذيكُم إن كُنتم مُتمثلين بالخير؟! ولكن وإن تألمتُم من أجل البرّ فطُوباكُم، وأما خُوفهُم فلا تخافُوه ولا تضطربُوا..

هنا لا يقصد أن الله لا ينظر إلى الأشرار، لكنه يقصد بالنظر والسمع بمعنى الاستجابة لهُم، وغاية المُؤمن أن يكُون موضُوع رضى الله  فليس بالكثير عليه أن يُقابل الشرّ بالخير ويحب مضايقيه.. 

إذ يدرك المُؤمن هذه الحقيقة أنه لا يقدر أحد، ولا تستطيع الأحُوال مهما قست، والضيقات مهما اشتدت أن تُؤذي نفسه، ما لم يُؤذِ الإنسان نفسه بنفسه بتركه صنع الخير، لهذا لا يضطرب من أحد، بل يحب حتى الذي يُريد قتله، وبالتالي كلما اشتدت الآلام حوله تزايدت أكاليله..

لا يقدر شيطان أو ظلم، أو موت أن يُؤذي أحداً، ما لم يُؤذِ الإنسان نفسه بصنعه الشرّ، بل بالعكس نجد الآلام طّوبت أيُوب والفقر أفاد لعازر، والرياح والأمطار أكدت ثبُوت البيت المبني على الصخر فالحاسد لا يُؤذي مَن يحسده بل يُؤذي نفسه، والظالم يقتل نفسه ولا يهلك مَن يظلمه، وهكذا فإن الألم لا يجلب ضرراً بل تطويباً لمَن يحتمله من أجل البرّ، (مت24:7-27)..

وأما خُوفهُم فلا تخافُوه ولا تضطربُوا، بل قدسُوا الرّب الإله في قلوبكُم مُستعدين دائماً لمُجاوبة كُل مَن يسألكُم عن سبب الرجاء الذي فيكُم، بوداعةٍ وخُوفٍ، ولكُم ضميرٌ صالحٌ (14-16)..

لقد اقتبس بُطرس هذا القُول من إشعياء (إش12:8)، فهُو يطلب المُؤمن ألاّ يخاف ممن يُضايقُونه ولا يضطرب منهُم، والدافع لهذا هُو تقديس الرّب الإله في القلب، لأن مَن يُقدس الرّب في قلبه لا يخاف البشر بل الله، ومَن يخاف الله دُون البشر يكُون بهذا مُقدساً الرّب في قلبه.. 

وهذا خير شهادة عملية للرّب، وإجابة لمَن يسأله عن سبب الرجاء الذي فيه محتملاً المضايقة بوداعة ومخافة الله، هكذا يشتمن رائحة المسيح الذكية في سيرة المُؤمن الصالحة، عندما يُفتري عليه ظلماً فيحتمل بضمير صالح بغير رغبة في الانتقام، ولكن حباً في خلاص الكُل.. 

لأن تألمكُم إن شاءت مشيئة الله، وأنتم صانعُون خيراً، أفضل منه وأنتُم صانعُون شرّ، فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمة، لكي يُقربنا إلى الله، مُماتاً في الجسد مُحىً في الرُوح..

يتدرب المسيحي على حياة الاحتمال والحُب للمضايقين على يدي الرّب المُتألم، فمنه وبه ينال قُوة داخلية لقبُول الألم بشكر، وحسب المنطق البشري حينما يتألم الإنسان من أجل ذنب اقترفه يجد ما يعزيه أنه مُستوجب لهذا الألم، أما فكر الرّب يسُوع منطق الحُب الإلهي، فهُو أنه يليق بنا بالحري أن نفرح عندما نتألم ظلماً، إذ يكُون مبعثها الحُب لأن خفة ضيقتنا الوقتية تُنشيء لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدياً (2كو17:4)..

تألم الرّب بالجسد مرة واحدة، احتمل أجرة خطايانا في جسده، هذه هي آلام الحُب التي دفعته أن يقبل برضى موت الجسد وهو مُحيى في الرُوح لأنه لم يخطيء قط فلم تذق رُوحه الموت، مات الرّب بالجسد بانفصال نفسه عن جسده، لكن لاهوته لم يفارق ناسوته ولا فارق نفسه قط..

الذي فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التي في السجن، إذ عصت قديماً، حين كانت أناة الله تنتظر مرةً في أيام نُوحٍ، إذ كان الفلك يُبنى، الذي فيه خلص قليلُون، أي ثماني أنفسٍ بالماء..

إذ مات الرّب بالجسد انفصلت نفسه عن جسده، أما لاهوته فلم ينفصل قط عن جسده أو نفسه، فانطلقت النفس إلى الجحيم أي السجن، تُكرز وتبشر للذين ماتُوا على رجاء، لأن عدُو الخير ليس له سلطان عليها..

الرّب بعد موته بالجسد نزل برُوحه إلى الجحيم وبشر الذين كانُوا في أيام نُوح لا يُصدقُونه إذ كان ينذرهُم بالطُوفان، ولكنهم لما رأوا انهمار المياه تاب بعضهُم وطلبُوا الرحمة، لهذا السبب نزل الرّب إلى أعماق الأرض مُبشراً بصعُوده مُعلناً غفران الخطايا لمَن آمنُوا به..

الذي مثاله يُخلّصنا نحنُ الآن، أي المعمُودية، لا إزالة وسخ الجسد، بل سئوال ضميرٍ صالحٍ عن الله، بقيامة يسُوع المسيح، الذي هُو في يمين الله، إذ قد مضى إلى السماء، وملائكةٌ وسلاطين وقواتٌ مُخضعةٌ له..

بدُون العماد (الخلاص) والاشتراك في التناول (الحياة)، يستحيل على الإنسان أن ينال ملكُوت الله أو الخلاص والحياة الأبدية..

رأى أحد الآباء القديسين في رؤياه الكنيسة المُنتصرة كبرج مبني على الماء، فلما سأل عن السبب في ذلك، قال له الرّب: اسمع الآن لماذا يُبنى البرج على المياه، لأن حياتكُم تخلّص، وستخلّص خلال الماء..

فالمعمُودية لا تُزيل وسخ الجسد، بل تهب ضميراً صالحاً بقُوة قيامة الرّب، إذ فيها نُدفن مع المسيح ونقُوم أيضاً معه، ولهذا اعتادت الكنيسة أن تقُوم بتعميد المُوعُوظين قُبيل عيد القيامة في أحد التناصير..

فالماء يُحقق صُورة الموت، والرُوح القُدس يهب جدة الحياة، لهذا السبب ارتبط الماء بالرُوح، أنظر (يو5:3؛ رو6:6؛ غلا25:5؛ أف5:4)..
في العماد إهلاك جسد الخطية حتى لا يحمل بعد ثمار الموت..

حياتنا في الرُوح يكون لنا ثمرة في القداسة، فالماء باستقباله الجسد كقبر يحمل موتاً، بينما يفيض الرُوح قُوة الإحياء مُجدّداً أرُواحنا من موت الخطية لذلك نُولد من الماء والرُوح، فبالمعمُودية اعتمدنا لموت المسيح وقيامته فكيف لا نقبل الآلام حتى الموت بفرح وسرُور مُنتظرين كأبناء لله مرتبطين بالرّب المتألم أن تكُون لنا معه شركة في الأمجاد السماوية؟! مَن يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي (رؤ21:3)..