محمد نبيل المصرى
الدراسة بعنوان Interacting with Women Can Impair Men’s Cognitive Functioning، أي «التفاعل مع النساء قد يضعف الأداء المعرفي لدى الرجال»، نُشرت عام 2009 في مجلة Journal of Experimental Social Psychology، وهي مجلة علمية متخصصة في علم النفس الاجتماعي.
أجرى الدراسة Johan C. Karremans وزملاؤه في جامعة رادبود بهولندا.
الفكرة الأساسية للدراسة هي أن محاولة ترك انطباع جيد لدى شخص ننجذب إليه قد تستهلك جزءا من مواردنا الذهنية، مما يؤثر مؤقتا في أدائنا لبعض المهام العقلية. لكن من المهم جدا فهم ما اختبره الباحثون فعليا، وما الذي لا تسمح لنا النتائج باستنتاجه.
أولا: ما السؤال الذي أراد الباحثون الإجابة عنه؟
لاحظ الباحثون أن بعض الأشخاص يتصرفون بصورة مختلفة عندما يتحدثون إلى شخص ينجذبون إليه، مقارنة بحديثهم مع شخص لا يشعرون تجاهه بأي انجذاب خاص.
تخيل مثلا أنك تتحدث مع امرأة تجدها جذابة، وتريد أن تترك لديها انطباعا جيدا.
قد تجد نفسك تفكر في عدة أشياء في الوقت نفسه:
هل أبدو ذكيا؟ هل أقول شيئا مضحكا؟ هل أعجبتها شخصيتي؟ هل أبدو واثقا من نفسي؟ كيف أتصرف حتى لا أحرج نفسي؟
هذه الأفكار قد تجعلك تراقب كلامك وحركاتك وطريقة تقديم نفسك بصورة مستمرة.
هنا تظهر الفرضية العلمية: هل يؤدي الانشغال بتقديم صورة جيدة عن أنفسنا إلى استهلاك بعض الموارد الذهنية التي نحتاج إليها للتركيز والتفكير؟
وللإجابة عن ذلك، أجرى الباحثون تجربتين.
ثانيا: التجربة الأولى
شارك في التجربة 40 طالبا جامعيا من الذكور، بمتوسط عمر يقارب 20.6 سنة.
الخطوة الأولى: قياس الأداء الذهني
طلب الباحثون من المشاركين أداء اختبار يسمى 2-back.
هذا الاختبار يقيس أحد جوانب الذاكرة العاملة، وهي القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات مؤقتا واستخدامها أثناء التفكير.
ظهرت أمام المشاركين سلسلة من الحروف على شاشة الكمبيوتر، وكان عليهم تحديد ما إذا كان الحرف الحالي مطابقا للحرف الذي ظهر قبل خطوتين.
على سبيل المثال، إذا ظهرت الحروف التالية:
A – C – A
فعندما يظهر الحرف الثالث A، يجب على المشارك أن يتذكر الحرف الذي ظهر قبله بخطوتين ويحدد التطابق.
يتطلب الاختبار الانتباه إلى المعلومات المتغيرة وتحديث ما تحتفظ به الذاكرة العاملة باستمرار.
الخطوة الثانية: محادثة قصيرة
بعد الاختبار، تحدث كل مشارك لمدة سبع دقائق مع شخص غريب من الجنس نفسه أو الجنس الآخر.
بمعنى أن بعض المشاركين تحدثوا مع رجل، بينما تحدث آخرون مع امرأة.
كانت المحادثات حول موضوعات عادية، ولم يكن مطلوبا من المشاركين الحديث عن الحب أو الجنس أو العلاقات العاطفية.
الخطوة الثالثة: إعادة الاختبار
بعد انتهاء المحادثة، عاد المشاركون إلى الكمبيوتر وأعادوا اختبار الذاكرة العاملة.
قارن الباحثون أداء المشاركين بعد المحادثة بأدائهم السابق، مع أخذ مستوى أدائهم الأولي في الاعتبار.
ماذا كانت النتيجة؟
في المجموعة التي تحدثت مع رجل، بلغ متوسط زمن الاستجابة للإجابات الصحيحة نحو 1255 مللي ثانية.
أما في المجموعة التي تحدثت مع امرأة، فبلغ نحو 1436 مللي ثانية.
أي أن المشاركين الذكور استغرقوا وقتا أطول في الاستجابة الصحيحة بعد المحادثة مع امرأة، مقارنة بالمجموعة التي تحدثت مع رجل.
وكان الفرق ذا دلالة إحصائية وفق تحليل الباحثين.
كذلك، ظهر اتجاه يشير إلى أن التأثير قد يكون أكبر عندما يرى الرجل أن المرأة التي تحدث معها أكثر جاذبية، وإن كانت هذه العلاقة في التجربة الأولى لم تصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية التقليدي.
ما الذي تعنيه هذه النتيجة؟
تعني أن التفاعل الاجتماعي الذي أجروه ارتبط بتراجع مؤقت في سرعة الأداء في اختبار محدد للذاكرة العاملة.
لكنها لا تعني أن الرجال أصبحوا أقل ذكاء، أو أنهم فقدوا قدرتهم على التفكير، أو أن كل محادثة مع امرأة تؤدي إلى النتيجة نفسها.
ثالثا: التجربة الثانية
أراد الباحثون معرفة ما إذا كانت النتيجة الأولى ستتكرر باستخدام اختبار مختلف، ومع إشراك النساء أيضا.
شارك في التجربة 111 طالبا جامعيا، منهم 53 رجلا و58 امرأة، بمتوسط عمر بلغ نحو 21.3 سنة.
هذه المرة، تحدث المشاركون لمدة خمس دقائق مع شخص غريب من الجنس نفسه أو الجنس الآخر.
ثم أدوا اختبارا معرفيا آخر يتطلب التبديل بين قواعد مختلفة للاستجابة، مع تجاهل المعلومات غير المهمة.
هذا النوع من الاختبارات يتطلب قدرتين أساسيتين:
المرونة المعرفية: القدرة على الانتقال من قاعدة ذهنية إلى أخرى.
التحكم التنفيذي: القدرة على مقاومة الاستجابة غير المناسبة والتركيز على المهمة المطلوبة.
بعد المحادثة، سأل الباحثون المشاركين أيضا عن مدى رغبتهم في ترك انطباع جيد لدى الشخص الذي تحدثوا معه.
ماذا وجدوا؟
لدى الرجال، بلغ متوسط زمن الاستجابة نحو 594 مللي ثانية بعد التفاعل مع رجل، مقابل 631 مللي ثانية بعد التفاعل مع امرأة.
كان الفرق ذا دلالة إحصائية.
أما لدى النساء، فلم يجد الباحثون فرقا ذا دلالة إحصائية بين التفاعل مع رجل والتفاعل مع امرأة.
لكن هناك تفصيلا مهما: النساء اللاتي أبلغن عن رغبة أكبر في ترك انطباع جيد لدى الشخص الآخر أظهرن أيضا اتجاها نحو أداء معرفي أضعف بعد التفاعل المختلط، إلا أن هذا الارتباط لم يصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية التقليدي.
وبذلك، لم تكن النتيجة أن النساء محصنات من هذا التأثير، وإنما أن التجربة الثانية لم تجد تراجعا عاما ذا دلالة إحصائية في أدائهن بسبب جنس الشخص الذي تحدثن معه.
ووجد الباحثون كذلك أن الرجال أبلغوا عن رغبة أكبر في ترك انطباع جيد عندما تحدثوا مع امرأة مقارنة بحديثهم مع رجل.
رابعا: ما التفسير النفسي لهذه النتائج؟
التفسير الذي اقترحه الباحثون يتعلق بما يسمى إدارة الانطباع (Impression Management).
وهو محاولة الشخص التأثير في الطريقة التي يراه بها الآخرون.
يمكن فهم الآلية المفترضة من خلال الخطوات التالية:
1. وجود هدف اجتماعي
يريد الشخص أن يحظى بإعجاب الطرف الآخر أو أن يظهر بصورة ذكية وجذابة وواثقة.
2. زيادة مراقبة الذات
يبدأ في مراقبة كلامه وتعبيرات وجهه وسلوكه، ويقارن ما يقوله بالصورة التي يريد تقديمها عن نفسه.
3. تعدد العمليات الذهنية
بدلا من توجيه الانتباه إلى مهمة واحدة، ينشغل الشخص بالمحادثة وبكيفية ظهوره أمام الآخر وبالنتائج الاجتماعية المحتملة لكلامه.
4. احتمال تراجع الأداء في مهمة أخرى
إذا استمر الانشغال الذهني، فقد يصبح الأداء في مهمة تتطلب الذاكرة العاملة أو التحكم التنفيذي أبطأ أو أقل كفاءة مؤقتا.
هذا هو التفسير الذي يتفق مع النتائج، لكنه ليس إثباتا نهائيا لكل خطوة في هذه السلسلة.
فالدراسة لم تثبت أن الانجذاب وحده هو السبب المباشر؛ بل قدمت أدلة تتفق مع تفسير يقوم على الانشغال بتقديم الذات وإدارة الانطباع.
مثال من الحياة اليومية
تخيل طالبا يستعد لامتحان في الرياضيات، ثم يجلس بجوار زميلة يريد أن يثير إعجابها.
بدلا من التركيز الكامل في المسألة، قد يفكر في مظهره، وفيما إذا كانت تراقبه، وفي كيفية التصرف أمامها.
إذا أخطأ في مسألة بسيطة، فمن الممكن أن يكون ذلك مرتبطا بتشتت انتباهه أو انشغاله الذهني، لا بضعف قدرته على الرياضيات.
لكن هذا المثال توضيحي، وليس تجربة أجراها الباحثون بأنفسهم.
خامسا: هل تثبت الدراسة أن الرجال أقل ذكاء أمام النساء؟
لا. هذا استنتاج خاطئ يتجاوز ما تثبته الدراسة.
هناك أربعة فروق مهمة ينبغي الانتباه إليها.
أولا، الذكاء ليس هو نفسه سرعة الاستجابة في اختبار معرفي. فقد تتأثر نتيجة اختبار محدد بعوامل مثل الانتباه والقلق والتشتت، دون أن يعني ذلك انخفاض ذكاء الشخص.
ثانيا، الدراسة اختبرت الأداء بعد محادثة قصيرة، ولم تثبت أن التأثير يستمر لساعات أو أيام.
ثالثا، لم تختبر الدراسة جميع أنواع التفاعل بين الرجال والنساء. فقد تحدث الناس في مواقف مختلفة دون أن يشعروا بالانجذاب أو القلق أو الرغبة في إثارة إعجاب الطرف الآخر.
رابعا، شملت الدراستان طلابا جامعيين صغار السن، ولم يثبت الباحثون أن النتائج تنطبق بالدرجة نفسها على جميع الأعمار والثقافات والظروف الاجتماعية.
كما أن الدراسة الأولى شملت 40 رجلا فقط، والثانية شملت 111 مشاركا من الجنسين. ولذلك، لا ينبغي التعامل مع النتائج باعتبارها قاعدة عامة عن جميع الرجال والنساء.
وقد أقر الباحثون أنفسهم بأن تعميم النتائج على فئات عمرية أخرى ومواقف الحياة اليومية يحتاج إلى مزيد من البحث.
سادسا: كيف نستفيد من الدراسة في حياتنا؟
أعتقد أن أهم فائدة منها ليست في العلاقة بين الرجال والنساء بحد ذاتها، بل في فهم تأثير الانشغال بالصورة الاجتماعية التي نقدمها للآخرين في قدرتنا على التفكير.
1. في الدراسة والتعليم
إذا لاحظت أن طفلك يفقد تركيزه عندما يحاول إبهار زملائه أو عندما يشعر بأنه موضع تقييم اجتماعي، فمن المفيد أن تساعده على التمييز بين هدفين: أداء المهمة بصورة جيدة، ومحاولة الحصول على إعجاب الآخرين.
على سبيل المثال، قبل الامتحان، يمكن تشجيعه على التركيز على فهم السؤال والخطوات المطلوبة، بدلا من الانشغال بما سيعتقده زملاؤه عن أدائه.
لكن لا ينبغي استخدام هذه الدراسة وحدها لتفسير ضعف التحصيل الدراسي أو لتبرير فصل الطلاب والطالبات؛ فهي لم تختبر أثر الفصل بين الجنسين في التحصيل الدراسي على المدى الطويل.
2. في العمل والاجتماعات
قد ينشغل بعض الأشخاص بمحاولة الظهور بمظهر الكفاءة أمام مدير جديد أو عميل مهم، إلى درجة تؤثر في قدرتهم على الاستماع والتحليل.
والحل العملي هو التحضير المسبق للاجتماعات، وتدوين الأسئلة المهمة، والعودة إلى المعلومات المكتوبة بدلا من الاعتماد على الذاكرة وحدها.
ويمكن تطبيق الفكرة نفسها على المقابلات الوظيفية والمفاوضات والعروض التقديمية.
3. في العلاقات العاطفية
إذا كنت تتحدث إلى شخص تنجذب إليه، فلا تحتاج إلى تحويل المحادثة إلى اختبار مستمر لقيمتك أو ذكائك.
يمكنك التركيز على فهم الطرف الآخر، وطرح أسئلة حقيقية، والاستماع إلى الإجابات، بدلا من مراقبة نفسك طوال الوقت.
هذا لا يعني أن الانجذاب مشكلة، بل إن الانشغال المفرط بكيفية الظهور أمام الآخرين قد يجعل التفاعل أكثر استنزافا للانتباه.
4. في اتخاذ القرارات
إذا لاحظت أنك تتصرف بصورة مختلفة أمام شخص تريد إرضاءه أو إبهاره، فمن المفيد أن تسأل نفسك:
هل أتبنى هذا الرأي لأنني مقتنع به فعلا، أم لأنني أريد أن أحظى بإعجاب الشخص الآخر؟
هل أقيّم المعلومات بصورة موضوعية، أم أنني منشغل بالصورة التي أريد تقديمها عن نفسي؟
هل من الأفضل تأجيل قرار مهم حتى أتمكن من التفكير فيه بهدوء؟
هذه الأسئلة ليست نتائج اختبرتها الدراسة مباشرة، لكنها تطبيقات عملية معقولة لفكرة أن الضغوط الاجتماعية قد تؤثر في الانتباه والأداء المعرفي.
سابعا: هل تعني الدراسة أن الرجال والنساء يجب أن يتعاملوا بصورة مختلفة؟
لا يمكن استخلاص هذه النتيجة من الدراسة وحدها.
لاحظ أن الباحثين وجدوا اختلافا بين الرجال والنساء في تجربتهم، لكنهم لم يثبتوا أن هذا الاختلاف يرجع إلى عامل بيولوجي ثابت.
ناقش الباحثون عدة تفسيرات محتملة، منها اختلاف الدوافع الاجتماعية والتوقعات المرتبطة بالأدوار التقليدية للرجال والنساء، ومدى الاعتياد على التعامل مع أشخاص من الجنس الآخر.
ومن الممكن أيضا أن تتغير النتائج باختلاف العمر والثقافة والسياق ودرجة الانجذاب والرغبة في ترك انطباع جيد.
والأهم أن الباحثين لم يثبتوا أن وجود النساء في المدارس المختلطة يضر بالتحصيل الدراسي، ولا أن الفصل بين الجنسين يؤدي إلى نتائج تعليمية أفضل. هذه أسئلة أوسع تحتاج إلى دراسات أخرى تقارن النتائج التعليمية الفعلية وتراعي العوامل المختلفة المؤثرة فيها.
ثامنا: التقييم العلمي النهائي للدراسة
يمكن تقييم الدراسة من خلال ثلاثة جوانب.
نقطة القوة: استخدم الباحثون تجربتين، واختبارين معرفيين مختلفين، وقارنوا الأداء قبل التفاعل وبعده. وهذا أفضل من الاكتفاء بسؤال الأشخاص عما إذا كانوا يشعرون بأنهم أقل تركيزا عند التحدث إلى شخص ينجذبون إليه.
نقطة الضعف: العينات صغيرة نسبيا ومحدودة بطلاب جامعيين صغار السن. كما أن الاختبارات المستخدمة تقيس جوانب محددة من الأداء المعرفي، ولا تمثل الذكاء بجميع أبعاده.
حدود الاستنتاج: النتائج تدعم احتمال أن تؤثر بعض التفاعلات الاجتماعية في الأداء المعرفي بصورة مؤقتة، لكنها لا تثبت أن جميع الرجال يتأثرون بالتحدث مع النساء، ولا أن النساء لا يتأثرن، ولا أن الانجذاب يؤدي بالضرورة إلى ضعف التفكير.
كذلك، لا تكفي هذه الورقة وحدها للحكم على مدى تكرار التأثير في دراسات مستقلة أو على حجمه في الحياة اليومية؛ فذلك يحتاج إلى مراجعة أوسع للأبحاث اللاحقة.
يمكنك الاطلاع على النص الكامل للدراسة من خلال النسخة البحثية المتاحة عبر مستودع SSOAR.
⸻
الخلاصة في جملة واحدة
عندما ننشغل كثيرا بمحاولة إبهار شخص آخر، فقد نستهلك جزءا من انتباهنا ومواردنا الذهنية في مراقبة أنفسنا، مما قد يؤثر مؤقتا في أدائنا لبعض المهام المعرفية.
هذه هي الفكرة الأكثر فائدة في الدراسة، وهي أوسع من موضوع الانجذاب بين الرجال والنساء؛ إذ تدعونا إلى الانتباه إلى العلاقة بين القلق الاجتماعي وإدارة الانطباع والتركيز.
لكن من الضروري أن نتذكر أن الدراسة الأصلية محدودة، وأن نتائجها لا تبرر تعميمات عن ذكاء الرجال أو النساء أو اتخاذ قرارات تربوية واجتماعية كبيرة اعتمادا عليها وحدها.





