أكرم ألفي 
حان الوقت إلى رفع شعار "تعالوا إلى القاهرة يا أبناء الصعيد".. لقد ذهب زمن البكاء بسبب قدوم أشباهي إلى العاصمة واتهامنا بتريف مدينة أبناء الطبقة الوسطى "الجميلة" في أحياء المعادي والزمالك ومصر الجديدة وجاء زمن نداء القاهرة للمصريين للعمل والسكن بها لتبقى مزدهرة وتظل "منورة بأهلها" والمدينة التي لا تنام.

اعرف قارئي في كافيه في مصر الجديدة أنك تستغرب هذا الكلام وتعتبره مجرد "هذيان" أو "تخاريف". ولكني أدعوك للنظر حولك فالقاهرة حلها الوحيد اليوم هو استضافة أكثر من 4 مليون شاب من الصعيد والوجه البحري لتحافظ على ازدهارها وتنتعش اقتصادياً. 

إن الامتداد العمراني الخرافي الذي شهدته القاهرة خلال العقدين الماضيين اعتمد بشكل أساسي على نمو سكاني مهول وهو ما تراجع حالياً، فمعدل النمو السكاني في القاهرة لا يتجاوز 0.7% سنوياً، فميدنة القاهرة تزيد سنوياً نحو 85 ألف نسمة فقط فيما المشاريع في العاصمة تستوعب نظريا فوق 400 ألف نسمة، وهنا لا اتحدث عن أن على الاقل 20 ألف شاب من القاهرة يغادرونها سنوياً للسفر إلى الخارج. 

إن مدينة القاهرة تحتاج لجذب ملايين من الشباب من مدن وريف الصعيد والوجه البحري لتستطيع دفع قوة بشرية شابة ومنتجة للمشروعات الضخمة سواء في العاصمة الجديدة أو التجمع الخامس أو المناطق العمرانية الجديدة بها. 

الحديث عن أن التوسع في الصعيد والوجه البحري بالمدن الجديدة هو عامل لخفض الهجرة الداخلية إلى القاهرة وتخفيض الضغط على المرافق في العاصمة هو حديث تجاوزه الواقع، فما حدث كان ايجابياً حيث بالفعل انخفض معدل الهجرة الداخلية إلى القاهرة وهي الهجرة التي كانت تصنع ما يسمى بالعشوائيات ومدن الصفيح التي "طلقتها" مصر "طلاقاً بائناً" بفضل المشروعات الضخمة لإنهاء العشوائيات.. ما تحتاجه القاهرة هي ان تصبح قوة جذب للشباب الذي تعلم في جامعات الصعيد والوجه البحري والقادر على العمل والباحث عن المستقبل.

إن القوة الشبابية للقاهرة تتراجع لصالح قوة شبابية متعاظمة في الصعيد بشكل أساسي، وبالتالي فإن الدعوة توفير فرص عمل للشباب من خارج القاهرة في المدينة هي دعوة لخلق قوة دفع اقتصادية وشرائية في المدن الجديدة بالعاصمة.

 فلا يجب أن نقف عند مجرد قراءة دراسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية بشأن أن مدن الجيل الرابع في القاهرة الكبرى وهي العاصمة الإدارية الجديدة، وأكتوبر الجديدة، والعبور الجديد حققت أقل من 1% فقط من التسكين وأن معدل الأشغال في القاهرة الجديدة، والعبور، والشروق، و15 مايو يتراوح بين 5 و20%. 

إن القراءة الصحيحة هي فهم أعمية صناعة موجة جديدة من الوافدين الشباب من الصعيد بالأساس إلى القاهرة وخلق عوامل الجذب اللازمة لهؤلاء الشباب للقدوم إلى العاصمة لخلق الحيوية الاجتماعية والاقتصادية المطلوبة في هذه المناطق التي يمكن أن تمثل مناطق انطلاقة اقتصادية واجتماعية في المحروسة. 
 أعرف أن ما اكتبه هو عكس التيار العام الذي يرى في الهجرة الداخلية "منكراً" ييجب الوقوف ضده ويستهجن ما عرفته نخبة المثقفين من ابناء الطبقة الوسطى "الجميلة" بـ"تريف المدينة".

ما ادافع عنه أن أبناء الريف هم من بنوا القاهرة الحديثة ولولا تحول القاهرة لمنطقة جذب في الثمانينات والتسعينيات وقدوم شباب مصر أفواجاً في تلك الفترة لما صنعت القاهرة قدراتها الاقتصادية المهولة ، كما أدرك أن لكل تحول اجتماعي جانبه السلبي وهو ما انعكس في مدن العشوائيات التي نجح النظام بكفاءة يحسد عليها في القضاء عليها. 

ما أطرحه على مؤسسات الدولة هو أن تبدأ اليوم ولا تؤجل للغد تنفيذ افكار لجذب الشباب من خارج القاهرة إلى الهجرة إلى المدن الجديدة وتحويلها إلى مناطق نشاط اقتصادي واجتماعي وعدم انتظار أن يتم تعميرها عبر شباب القاهرة وحدهم، فهذا الانتظار سيكون ثمنه باهظاً.