الأب أغسطينوس بالميلاد:ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس
.
غبتَ، وأبقيتَ ظلَّكَ... وتركتَ لنا منكَ ما هو أعمقُ من الظلِّ: تركتَ أثرًا في الحياةِ، وأثرًا في الإنسانِ الذي صرنا إليه.
كلُّ شيءٍ بقيَ كما كان... الأماكنُ هيَ الأماكن، والطرقاتُ هيَ الطرقات، والأبوابُ ما زالت تُفتح، والتفاصيلُ الصغيرةُ ما زالت تسكنُ أماكنَها...
إلّا أنتَ... غبتَ، لكنَّ ظلَّكَ بقيَ، وكأنَّكَ لم ترحلْ تمامًا، وكأنَّ شيئًا منك ما زالَ هنا، يمرُّ في الذاكرةِ كنسمةٍ، ويجلسُ في القلبِ كحنينٍ، ويوقظُ في الأماكنِ ألفَ حكايةٍ لا تنتهي.
ما أصعبَ أن يغيبَ إنسانٌ كانَ يمنحُ الأشياءَ معناها! أن تبقى الأماكنُ كما هيَ، لكنَّ أرواحَنا لا تعودُ تراها كما كانت. فالملاعبُ التي شهدتْ لعبَنا لكرةِ القدمِ وضحكاتِنا وحماستَنا، والسيارةُ التي جمعتْنا ونحنُ نستمعُ إلى الأغاني، ونردِّدُ كلماتِها، ونتقاسمُ لحظاتٍ من الفرحِ والعفوية، كلُّها ما زالتْ في الذاكرةِ حيَّةً، لكنَّها لم تعُدْ مجرَّدَ أماكنَ أو ذكرياتٍ عابرة؛ لقد أصبحتْ نوافذَ نطلُّ منها على زمنٍ جميلٍ مضى، فنبتسمُ حينًا، ويغلبُنا الحنينُ حينًا آخر.
وما زلتُ أستعيدُ بروفاتِ المسرحياتِ، بكلِّ ما حملتْه من حماسةٍ ومواقفَ طريفةٍ، ومن محاولاتٍ تتكرَّرُ، ومشاهدَ نعيدُها، وضَحكاتٍ كانتْ تنفجرُ بينَنا من القلبِ، ثمَّ لحظاتِ الوقوفِ على خشبةِ المسرحِ، حينَ تتحوَّلُ البروفاتُ إلى عرضٍ، والتعبُ إلى متعةٍ، والكلماتُ إلى حياةٍ، ونشعرُ أنَّنا لسنا مجرَّدَ مجموعةٍ من الطلبة، بل عائلةٌ تجمعُها الصداقةُ، وتوحِّدُها المحبَّةُ، وتصنعُ معًا ذكرياتٍ لا تمحوها السنوات.
وأتذكَّرُ محاضراتِكَ، وأنتَ تدرِّسُنا اللاهوتَ الأدبيَّ وعلمَ الأخلاق، فلم تكنْ كلماتُكَ مجرَّدَ معلوماتٍ ندوِّنُها في دفاترِنا، ولا مبادئَ نظريَّةً نحفظُها استعدادًا للامتحان، بل كانتْ دعوةً إلى أن نفهمَ الإنسانَ، وأن نُميِّزَ بينَ ما يجوزُ وما ينبغي، وبينَ ما نستطيعُ فعلَه وما يجبُ علينا فعلُه، وأن ندركَ أنَّ الأخلاقَ ليستْ مجرَّدَ قواعدَ نلتزمُ بها، بل ضميرٌ حيٌّ، ومحبَّةٌ تتحوَّلُ إلى سلوكٍ، ومسؤوليَّةٌ تُترجَمُ إلى مواقفَ، وأمانةٌ نعيشُها حتى حينَ لا يرانا أحد.
كانَ حديثُكَ يزرعُ القيمَ في نفوسِنا، ويغرسُ المبادئَ في أعماقِنا، لا بالصوتِ العالي، ولا بفرضِ الرأي، بل بالحوارِ، وبالحكمةِ، وبتلك القدرةِ الهادئةِ على أن تجعلَ الكلمةَ تصلُ إلى القلبِ قبلَ العقل.
كنتَ تمنحُنا الحرِّيَّةَ الكاملةَ، وتتركُ لنا مساحةً واسعةً لنجرِّبَ، ونفكِّرَ، ونختارَ، ونتعلَّمَ من أخطائِنا، لكنَّكَ لم تكنْ تتركُنا وحدَنا. كنتَ تراقبُ من بعيدٍ، وتتابعُ خطواتِنا، وتتدخَّلُ حينَ تستدعي الحاجةُ، لا لتسلبَنا حرِّيَّتَنا، بل لتحمينا من أن نسيءَ استخدامَها، ولا لتصنعَ منَّا نسخًا منك، بل لتساعدَ كلَّ واحدٍ منَّا على أن ينضجَ، وأن يكتشفَ ذاتَه، وأن يصبحَ إنسانًا قادرًا على الاختيارِ وتحملِ المسؤوليَّة.
وكم كانتْ ضحكاتُنا صافيةً! ضحكاتٌ لم تكنْ تحتاجُ إلى مناسبةٍ كبيرةٍ، بل كانَ يكفي موقفٌ عابرٌ، أو كلمةٌ في وقتِها، أو قفشةٌ مهذَّبةٌ من قفشاتِكَ المضحكة، لتتحوَّلَ اللحظةُ العاديَّةُ إلى حكايةٍ نرويها، وإلى ذكرى تستعيدُها الذاكرةُ كلَّما اشتقنا إليكَ.
كانتْ دعاباتُكَ تحملُ خفَّةَ الروحِ، من دونِ أن تجرحَ أحدًا، وتصنعُ الفرحَ من دونِ أن تنتقصَ من كرامةِ إنسانٍ. كنتَ تعرفُ كيفَ تجعلُنا نضحكُ، وكيفَ تُخفِّفُ عنَّا جِدِّيَّةَ الأيامِ، وكيفَ تجمعُ بينَ هيبةِ المعلِّمِ وبساطةِ الإنسانِ الذي يعرفُ أنَّ الضحكَ ليسَ نقيضَ الحكمة، بل قد يكونُ أحدَ وجوهِها الجميلة.
ما زلتُ أرى تلكَ التفاصيلَ أمامي: كرةً تتدحرجُ في الملعبِ، وأغنيةً تتردَّدُ في السيارةِ، ومشهدًا نعيدُ أداءَه في بروفةٍ مسرحيَّةٍ، وستارًا يرتفعُ على خشبةِ المسرحِ، ومحاضرةً تفتحُ أمامَنا أبوابَ الفكرِ والضمير، وحديثًا يزرعُ فينا قيمةً تبقى بعدَ أن ننسى الكلمات، وضحكةً صافيةً تخرجُ من القلبِ، وقفشةً مهذَّبةً تُعيدُ إلى الوجوهِ ابتسامتَها.
كم كنَّا نظنُّ أنَّ هذه اللحظاتِ ستظلُّ تتكرَّرُ، وأنَّ الأيامَ ستمنحُنا مزيدًا منها، وأنَّنا سنلتقي مرَّةً أخرى، فنضحكُ على الحكاياتِ القديمةِ، ونستعيدُ المواقفَ نفسَها، ونضيفُ إليها مواقفَ جديدةً.
لكنَّ الزمنَ يمضي، وتأتي لحظةٌ لا يعودُ فيها اللقاءُ ممكنًا كما كان، فتصبحُ الذكرياتُ أثمنَ ممَّا كنَّا نتصوَّر، ونكتشفُ أنَّنا لم نكنْ نعيشُ لحظاتٍ عاديَّةً، بل كنَّا نعيشُ ما سيصبحُ يومًا جزءًا من حكايتِنا، وما سيبقى فينا حينَ يغيبُ أصحابُه.
نحنُ لا نفتقدُ الراحلينَ في وجوهِهم فقط، بل نفتقدُهم في الأشياءِ التي كانتْ تجمعُنا بهم؛ في صوتٍ اعتدنا سماعَه، وفي ضحكةٍ كانتْ تملأُ المكانَ حياةً، وفي كلمةٍ كانتْ تمنحُنا الطمأنينةَ، وفي موقفٍ كنَّا نختلفُ حولَه ثمَّ نضحكُ عليه، وفي تفاصيلَ صغيرةٍ لم نكنْ نعرفُ أنَّها كانتْ تصنعُ سعادتَنا.
والمؤلمُ ليسَ أن يرحلَ مَن نحبُّ فحسب، بل أن تستمرَّ الحياةُ بعدَ رحيلِه... تشرقُ الشمسُ كأنَّ شيئًا لم يحدث، وتتعاقبُ الأيامُ كأنَّ قلبًا لم ينكسر، ويواصلُ الناسُ أحاديثَهم وضحكاتِهم، بينما في داخلِنا حكايةٌ توقَّفتْ عندَ لحظةِ الوداع، وما زالتْ أرواحُنا تبحثُ عن طريقةٍ لتُكملَها.
نكتشفُ عندئذٍ أنَّ الغيابَ ليسَ فراغًا في المكان، بل فراغٌ في المعنى؛ فبعضُ الأشخاصِ لا يشغلونَ حيِّزًا في حياتِنا فقط، بل يمنحونَ الحياةَ لونَها ودفأَها، ويتركونَ في شخصيَّاتِنا شيئًا من أفكارِهم، وفي ضمائرِنا شيئًا من مبادئِهم، وفي ضحكاتِنا شيئًا من خفَّةِ أرواحِهم، وفي اختياراتِنا أثرًا من حكمتِهم.
وحينَ يرحلونَ، لا يتوقَّفُ تأثيرُهم فينا، بل يبدأُ في الظهورِ بطريقةٍ أخرى. نجدُ أنفسَنا نستحضرُ كلماتِهم حينَ نواجهُ موقفًا صعبًا، ونتذكَّرُ نصائحَهم حينَ نكونُ أمامَ اختيارٍ مصيريٍّ، وربَّما نضحكُ فجأةً لأنَّ موقفًا ما أعادَ إلينا قفشةً من قفشاتِهم، ثمَّ نسكتُ قليلًا، لأنَّنا تمنَّينا لو كانوا معنا ليضحكوا من جديد.
هكذا يبقى المعلِّمُ في تلاميذِه، والمربِّي في مَن ساعدَهم على النضجِ، والإنسانُ في القيمِ التي غرسَها، والصديقُ في اللحظاتِ التي جعلَها أكثرَ جمالًا، ويبقى صاحبُ الروحِ المرحةِ في ضحكاتِ مَن أحبُّوه، حتى حينَ لا يعودُ صوتُه حاضرًا بينهم.
بعضُ الغيابِ لا يُنهي الحضورَ، بل يُغيِّرُ شكلَه.
فثمَّةَ مَن يغيبُ عن أعينِنا، لكنَّه يظلُّ مقيمًا في أعماقِنا؛ لا نراه، لكنَّنا نشعرُ بأثرِه، لا نسمعُ صوتَه، لكنَّ صدى كلماتِه يرافقُنا، ولا نستطيعُ إعادتَه إلى الأماكنِ التي تركَها، لكنَّنا نحملُ شيئًا منه أينما ذهبنا.
وما أجملَ أن نُكرمَ الراحلينَ لا بالحزنِ عليهم وحدَه، بل بأن نعيشَ ما علَّمونا إيَّاه، وأن نحفظَ القيمَ التي زرعوها فينا، وأن نمنحَ الآخرينَ الحرِّيَّةَ التي منحونا إيَّاها، وأن نساعدَهم على النضجِ من دونِ أن نسلبَهم حقَّ الاختيار، وأن نصنعَ الفرحَ من دونِ أن نجرحَ أحدًا، وأن نتركَ في حياةِ مَن حولَنا أثرًا طيِّبًا يشبهُ الأثرَ الذي تركوه في حياتِنا.
فربَّما لا نستطيعُ أن نُعيدَ الزمنَ، ولا أن نسترجعَ لحظةَ وداعٍ، لكنَّنا نستطيعُ أن نجعلَ ما تعلَّمناه منهم حيًّا فينا، وأن نحوِّلَ الحنينَ إلى وفاءٍ، والدموعَ إلى صلاةٍ، والذكرياتِ إلى حياةٍ تستمرُّ فينا وبنا.
كلُّ شيءٍ بقيَ كما كان... الملاعبُ، والسيارةُ، والأغاني، وبروفاتُ المسرحيَّاتِ وعروضُها، وقاعاتُ المحاضراتِ، والكلماتُ التي علَّمتْنا، والضحكاتُ التي جمعتْنا...
إلّا أنتَ.
غبتَ، لكنَّكَ أبقيتَ ظلَّكَ، وتركتَ في ذاكرتِنا مشاهدَ لا تُمحى، وفي قلوبِنا محبَّةً لا تنطفئ، وفي عقولِنا أفكارًا لا تزالُ تنضج، وفي ضمائرِنا مبادئَ لا تزالُ ترشدُنا، وفي أرواحِنا ضحكاتٍ ما زالتْ تبحثُ عن صوتِكَ لتكتمل.
رحلتَ عن المكانِ، لكنَّكَ لم ترحلْ من الحكاية.
فما زلتَ حاضرًا في كلِّ كرةٍ لعبناها، وفي كلِّ أغنيةٍ استمعنا إليها في السيارة، وفي كلِّ مشهدٍ أدَّيناه على خشبةِ المسرح، وفي كلِّ قيمةٍ تعلَّمناها على يديكَ، وفي كلِّ ضحكةٍ صافيةٍ تُعيدُنا إلى تلكَ الأيَّامِ الجميلة.
كلُّ شيءٍ بقيَ كما كان... إلّا أنتَ.
غبتَ، وأبقيتَ ظلَّكَ... وتركتَ لنا منكَ ما هو أعمقُ من الظلِّ: تركتَ أثرًا في الحياةِ، وأثرًا في الإنسانِ الذي صرنا إليه.
من «غابَ وأبقى ظلَّه»





