بقلم: بروفيسور دكتور طلعت مليك
«إنها بلدنا، شاء من شاء وأبى من أبى.. فرنسا هي لنا».. بهذه الشعارات يعبّر عدد من أبناء المهاجرين في فرنسا عن رؤيتهم لمستقبل البلاد، مؤكدين أنهم جزء من المجتمع الفرنسي، وأن فرنسا التي نشأوا فيها لم تعد كما كانت قبل عقود، بعدما أصبحت أكثر تنوعًا من حيث الأصول والثقافات والخلفيات الدينية.
لكن هذه المطالب تأتي وسط أجواء مشحونة، ومواجهات بين الشرطة الفرنسية ومحتجين من الطلاب، إلى جانب مجموعات من اليسار المتشدد وعناصر «بلاك بلوك» التي ترتبط في بعض الاحتجاجات بأعمال العنف والتخريب.
وتتصاعد الاتهامات الموجهة إلى الشرطة الفرنسية بالعنصرية في تعاملها مع الشباب من أصحاب البشرة الملونة، فيما يطالب المحتجون بالمساواة ووقف ما يعتبرونه استهدافًا لأبنائهم بسبب أصولهم أو لون بشرتهم.
وفي هذا السياق، يؤكد عمدة مدينة سان دوني أن أبناء المهاجرين مواطنون فرنسيون بالكامل، وأن لون البشرة لا ينبغي أن يكون سببًا للتمييز أو الملاحقة. ويطرح هذا الموقف سؤالًا مهمًا حول قدرة فرنسا على تحقيق المساواة الفعلية بين جميع مواطنيها، بعيدًا عن الشعارات السياسية.
إصابات خطيرة وتحقيقات في استخدام القوة
ومن أكثر الوقائع إثارة للقلق، إصابة مراهق في إحدى عينيه، في حادثة وُجهت بشأنها اتهامات إلى الشرطة، ما دفع إلى فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات. كما أُصيب مراهق آخر إصابة بالغة أدت إلى فقدانه ذراعه، بعدما انفجرت قنبلة كانت بحوزة أحد أفراد الشرطة، وفقًا للرواية المتداولة عن الواقعة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن استخدام هذه الأسلحة خلال التعامل مع الاحتجاجات.
وشهدت باريس أيضًا حادثة سقوط مراهق من أعلى تمثال في ميدان البانثيون، من ارتفاع يُقدّر بنحو خمسة أمتار، ما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة ونقله إلى المستشفى.
وفي المقابل، أُصيب عدد من أفراد الشرطة والمتظاهرين خلال المواجهات، وسط استمرار عمليات الكر والفر وأعمال التخريب في بعض المناطق.
وتعيد هذه الأحداث فتح النقاش بشأن حدود استخدام القوة في مواجهة الاحتجاجات، وضرورة التمييز بين المتظاهرين السلميين ومن يرتكبون أعمال عنف، مع محاسبة كل من يثبت تجاوزه للقانون.
هتافات تثير الجدل بشأن الإرهاب
ومن بين الجوانب المثيرة للجدل، ما تردد عن إطلاق هتافات تطالب بالإفراج عن سجناء مدانين في قضايا إرهابية، من بينهم صلاح عبد السلام، المدان في هجمات باريس الإرهابية عام 2015، والتي شهدت اعتداءات دامية، من بينها الهجوم على مسرح باتاكلان.
وتثير هذه الهتافات، إذا ثبتت صحتها، تساؤلات بشأن استغلال الاحتجاجات السياسية والاجتماعية للترويج لمواقف مرتبطة بأعمال إرهابية سابقة، وما إذا كانت هذه المجموعات تمثل بالفعل المطالب الأساسية للطلاب أم تسعى إلى توظيف الأحداث لتحقيق أهداف سياسية أخرى.
مطالب الطلاب.. من الخدمات المدرسية إلى المليارات
وفي الوقت نفسه، تظل المطالب التعليمية جزءًا أساسيًا من المشهد، إذ يطالب الطلاب بتحسين أوضاع المدارس، وزيادة أعداد المدرسين والممرضات، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتحسين وسائل التدفئة خلال الشتاء والتبريد خلال الصيف.
كما طُرحت مطالب بتخصيص مليارات اليورو لمعالجة أوجه القصور في المؤسسات التعليمية، وسط تحذيرات من استمرار الاحتجاجات إذا لم تستجب الحكومة للمطالب.
وتتزامن هذه التطورات مع اقتراب العطلة المدرسية المعروفة باسم «عطلة جميع القديسين»، التي تمتد خلال النصف الثاني من أكتوبر وحتى مطلع نوفمبر، وهو ما قد يمنح السلطات فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة.
إلى أين تتجه فرنسا؟
إن المشهد الفرنسي يعكس أزمة متعددة الأبعاد؛ فهناك مطالب اجتماعية وتعليمية مشروعة، ونقاش متصاعد بشأن العنصرية والاندماج، وفي المقابل أعمال عنف وتخريب لا يمكن تبريرها تحت أي شعار.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تستطيع فرنسا بناء صيغة جديدة للمواطنة يشعر فيها أبناء المهاجرين بأنهم متساوون في الحقوق والفرص، أم ستظل قضايا الهوية ولون البشرة والأصول العائلية مصدرًا للتوتر والانقسام؟
إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تطبيق القانون على الجميع، وضمان المحاسبة عند وقوع تجاوزات، وعدم الخلط بين الاحتجاج السلمي والعنف، أو بين المطالبة بالمساواة وتبرير الإرهاب.
ففرنسا الجديدة، أيًا كانت ملامحها الديموغرافية والثقافية، لن تكون مستقرة إلا إذا استطاعت أن تجمع مواطنيها حول المواطنة وسيادة القانون، بعيدًا عن التمييز والكراهية والعنف.





