حلمي النمنم
بعد أن انتهت حرب أكتوبر وتحقق الهدف منها، شرع الرئيس السادات فى أن يتجه نحو الولايات المتحدة ويبتعد تماما عن الاتحاد السوفيتى، حين دخلنا الحرب كانت علاقتنا مقطوعة - رسميًا- مع الولايات المتحدة منذ حرب يونيو 67، صحيح أن هناك قنوات كانت مفتوحة بين البلدين، منذ سنة 1969، لكن السفارة هنا كانت مغلقة وسفارتنا أيضا فى واشنطن، فى المقابل كانت علاقتنا قوية مع الاتحاد السوفيتى، الذى كان مصدر التسليح الرئيسى لقواتنا، وقد نجحت العلاقات مع موسكو فى أن تتجاوز بعض العقبات التى تعرضت لها، أبرزها الحديث المتواتر فى بعض الصحف الغربية وبعض خصوم النظام السياسى فى الداخل والخارج عما سموه احتلال سوفيتى لمصر، الآن نعرف أن تلك الأحاديث كانت جزءا من أجواء الحرب الباردة والقلق الأمريكى والغربى عموما، من تنامى العلاقات المصرية-السوفيتية، وتزايد الحديث مع وجود مستشارين وخبراء عسكريين روس فى مصر أيام حرب الاستنزاف، الغريب أن سوريا كان بها مستشارون عسكريون روس، بأعداد أكثر كثافة، حتى حرب أكتوبر وما بعدها، ولم يثر وجودهم انتقادات، كما حدث بالنسبة لمصر.

رغم كل شىء نجح السادات فى اكتساب ثقة القيادة السوفيتية، ولا ننسى أنه هو من حمل رسالة موسكو إلى الرئيس عبدالناصر فى مايو 67، حول الحشود الإسرائيلية على حدود سوريا، وقتها كان السادات رئيسًا للبرلمان «مجلس الأمة»، هذه الرسالة من السوفيت موضع تساؤلات تاريخية عديدة إلى اليوم، خاصة بعد زيارة الفريق محمد فوزى إلى الجبهة السورية، وتبين له أنه لم تكن هناك حشود.

ثم قام السادات باختيار اثنين من كبار الماركسيين المصريين وزراء، د. فؤاد مرسى وزيرًا للتموين، د. إسماعيل صبرى عبدالله وزيرًا للتخطيط وهو ما لم يقدم عليه سلفه، كما قام، فى شهر مايو سنة 1971، بتوقيع معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفيتى، الأمر الذى لم يرحب به عبدالناصر من قبل، وذكر السادات، فى خطاب عام بعد ذلك، أنه وقع المعاهدة ليطمئن القادة السوفيت وهو يستعد لخوض المعركة، هو نفسه سوف يلغى تلك المعاهدة فى سنة 1976.

وقد تحدث كثير من الكتاب والشخصيات العامة، مصريين وعرب، عن أن السادات لم يحقق كل أهداف المعركة وأخفق فى الاستثمار السياسى لنتائجها، وأنه كان مرتبكا جدا فى التعامل مع نتائج الحرب، خاصة لقاءاته المتعددة مع وزير الخارجية الأمريكى وقتها هنرى كيسنجر، مقالات الأستاذ هيكل، التى جمعها فى كتابه «عند مفترق الطرق»، تحمل بوضوح تام ذلك المعنى.

ويمكن توجيه العديد من الانتقادات لسياسات الرئيس السادات فى الداخل، مثل تسامحه الشديد مع جماعة حسن البنا الإرهابية، لكن لا يصح ولا يليق عدم تقدير أنه هو من وقع قرار الحرب فى السادس من أكتوبر وتحقق الانتصار الكبير لنا. محاولة الالتفاف على مجده فى الحرب معيب تاريخيًا وإنسانيا.

ومن يقرأ التوجيه الاستراتيجى الذى وجهه القائد الأعلى إلى القائد العام للقوات المسلحة يتأكد أن القوات المسلحة نفذت بنجاح باهر كل ما كانت مكلفة به، توجيه القائد الأعلى، رئيس الجمهورية يحمل تاريخ الخامس من أكتوبر 1973، التاسع من رمضان، أضف إلى ذلك قراءة مذكرات الفريق أول محمد أحمد صادق، وزير الحربية بين عامى 1971/1972، يدرك أن كل شىء - فى هذا الجانب- كان محسوبا ومدروسًا من الرئيس السادات، مذكرات الفريق أول صادق، أعدها للنشر، المقاتل، الصحفى الكبير عبده مباشر، وفيها يبدو واضحا تفكير السادات وتخطيطه فى العبور ودخول سيناء، ثم التوغل داخلها إلى مسافة عشرة أو خمسة عشر كيلومترا (.. وسيبوا الباقى عليا).

المؤكد أن الدولة المصرية مع نهاية حرب الاستنزاف توصلت إلى اقتناع بأن الولايات المتحدة اللاعب الرئيسى وهى-وحدها- التى يمكنها الضغط على إسرائيل، لذا قبلت مصر- عبد الناصر- مبادرة روجرز، وقتها كان السادات نائبًا للرئيس، الغريب أن السادات رفض المبادرة فى البداية ثم أقنعه عبدالناصر بأهمية المبادرة للموقف المصرى والعربى.

كان واضحا الدور الأمريكى فى حرب يونيو 67، الرئيس الأمريكى جونسون التقى عددا من السفراء العرب بعد حرب يونيو، حديثه معهم يقول بوضوح إنه هو، كان وراء كل ما جرى وأن سيناء، التى استعادتها مصر بعد العدوان الثلاثى بتدخلهم، انتزعت من يد المصريين عقابًا منه هو للسياسة المصرية وعبد الناصر شخصيا، بعض الجمل التى قالها كانت تخلو من اللياقة الدبلوماسية.

صحيح أن الاتحاد السوفيتى كان يساند مصر، لكن فى مجال التسليح قدموا لنا أسلحة دفاعية، لم يدفعوا إلينا بأسلحة هجومية، كانت عقيدة السوفيت أن يقدموا السلاح للأصدقاء دفاعا عن أنفسهم وليس للهجوم على أحد، بينما كانت الولايات المتحدة تقدم أحدث وأقوى الأسلحة لإسرائيل، أسلحة هجومية فى المقام الأول.

وكان الاتحاد السوفيتى من أوائل الدول التى اعترفت بإسرائيل فور قيامها، وكان القادة السوفيت عملوا على ترتيب اجتماع سرى بين عبدالناصر وليفى اشكول، رئيس وزراء إسرائيل، إبان أزمة مايو 67، وتتحدث الوثائق السوفيتية، فضلًا عن مذكرات بريماكوف، ضابط المخابرات فى السفارة السوفيتية بالقاهرة وقتها، إن اللقاء كان سيحدث لولا أن الرئيس عبدالناصر استشار أحد زعماء سوريا فحذره من تلك الخطوة، تقول الوثائق السوفيتية أيضا إن الإسرائيليين تنفسوا الصعداء، حين اعتذر ناصر عن اللقاء، لأنه لو تم كانت خطتهم للحرب سوف توضع فى الأدراج.

للتاريخ عرضت هذا الأمر ومذكرات بريماكوف على الراحل سامى شرف، فقال لى بالحرف «أول مرة أسمع عن هذا الموضوع».

حين تولى السادات المسؤولية، أراد تطوير مبادرة روجرز والبناء عليها، بطريقته هو، لا طريقة سلفه، فكانت مبادرته للسلام فى فبراير 1971، التى رفضتها جولدا مائير ولم تهتم الإدارة الأمريكية، فكان لابد من خوض الحرب وتحقيق الانتصار، تحقق ذلك فى عملية العبور العظيم وتحطيم خط بارليف وكسر هيبة الجيش الذى كان يوصف فى الصحافة الدولية بأنه «الجيش الذى لا يقهر».

لكن ماذا لو كانت جولدا مائير وافقت على مبادرة السلام الأولى التى طرحها السادات (4 فبراير 71) ولم تتعامل هى وحكومتها مع السادات ومع مصر باستخفاف؟

كان غرور وغطرسة أو غباء القوة سيطر على ذهن وخيال قادة إسرائيل وقتها.

كانت المبادرة تتحدث عن انسحاب القوات الإسرائيلية شرق القناة لمسافة 15 كيلومترًا، وتبدأ مصر عملية تطهير القناة وتشغيلها للملاحة البحرية، مقابل أن تخفف مصر قواتها فى غرب القناة، لو حدث ذلك ما كانت الحرب، بعد انتصار أكتوبر اعترفت جولدا مائير وكذا موشى ديان بأن رفض مبادرة سنة 71 كان خطأ كبيرا، كلفهم الكثير من الخسائر، فى الأرواح خاصة.

ولما افتتح الرئيس السادات القناة فى الخامس من يونيو سنة 1975، اعتبر بعض المحللين تلك الخطوة مؤشرا على عدم النية فى العودة ثانية إلى الحرب وأنه ماضٍ فى طريق السلام.

افتتاح القناة والعلاقات المتنامية مع الولايات المتحدة، لم تكن وحدها مؤشرا على رغبته فى الابتعاد عن الاتحاد السوفيتى، هذه كلها أمور سياسية واقتصادية، كان ممكنا تفهمها من جانب الاتحاد السوفيتى، ربما رحب بعضهم بذلك، إذ يخفف عنهم عبء الدعم لمصر، خاصة أنهم لم يكونوا يحصلون من مصر على المقابل الذى ينتظرونه، مثل وجود حزب شيوعى معلن أو بعض التواجد العسكرى تحت أى مسمى، لكنه رفع شعارا مهمًا هو «تنويع مصادر السلاح»، كان ذلك يعنى عمليا الاستغناء عن السوفيت فى مجالات التسليح، ومن ثم التدريب والتحديث، أى ضرب العلاقات فى مقتل.

الابتعاد التام عن الاتحاد السوفيتى كان يقتضى التعامل مع الديون المصرية لهم وتصفيتها.

الحديث ممتد.
نقلا عن المصري اليوم