مارجريت عازر
فى الدول التى تسعى إلى ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة لا تقاس قيمة كشف الحساب بما يتضمنه من أرقام وإنما بقدرته على الإجابة عن سؤال جوهرى: ماذا تغير فى حياة المواطن ومن يتحمل مسؤولية ما لم يتحقق،
ومع اقتراب مؤتمر كشف الحساب تبرز أهمية أن يتحول الحوار العام من مجرد عرض الإنجازات إلى مناقشة النتائج وتقييم السياسات وتحديد المسؤوليات ووضع جدول زمنى واضح لمعالجة أوجه القصور، فالمواطن لا ينتظر بيانات رسمية بقدر ما ينتظر إجابات ملموسة عن أسئلة تمس معيشته اليومية، هل تحسنت قدرته الشرائية، هل أصبحت الخدمات الصحية والتعليمية أكثر جودة، وهل انعكس الإنفاق على المشروعات القومية على فرص العمل والإنتاج ومستوى المعيشة.
إن ما أنجزته الدولة من مشروعات وبنية أساسية يمثل جزءًا من معادلة التنمية، لكن الجزء الآخر لا يقل أهمية وهو ضمان وصول ثمار التنمية إلى المواطن، خصوصًا محدودى الدخل والطبقة المتوسطة التى تتحمل أعباء اقتصادية متزايدة. فنجاح السياسات العامة لا يقاس بحجم الاستثمارات وحده، وإنما بقدرتها على تحقيق عائد اجتماعى واقتصادى يشعر به الناس.
لكن ثمة سؤالًا سياسيًا ودستوريًا لا ينبغى أن يغيب عن هذا النقاش: لماذا يصبح كشف حساب الحكومة مناسبة استثنائية بينما يفترض أن تكون المساءلة البرلمانية ممارسة منتظمة.
لقد منح الدستور مجلس النواب سلطة التشريع وإقرار الموازنة العامة وممارسة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وفقًا للمادة 101، كما نظم أدوات مساءلة الوزراء، ومنها الأسئلة والاستجوابات وهذه الاختصاصات ليست امتيازات لأعضاء المجلس، بل مسؤوليات أصيلة تجاه الشعب الذى منحهم ثقته.
ومن هنا، فإن طرح السؤال عن دور البرلمان لا يعنى افتراض تقصيره ولا الانتقاص من أهمية أى مبادرة للحوار الوطنى، بل يعنى التأكيد أن المؤسسات الدستورية ينبغى أن تعمل بصورة متكاملة، وأن تكون الرقابة البرلمانية فاعلة ومستمرة لا أن تنتظر الأزمات أو المناسبات العامة.
فإذا كانت الحكومة مطالبة بتقديم كشف حساب عن أدائها، فمن حق المواطن أيضًا أن يعرف ماذا فعل نوابه فى مواجهة المشكلات وما التشريعات التى قدموها، وما أوجه القصور التى رصدوها، وما النتائج التى حققتها أدواتهم الرقابية.
إن المطلوب ليس تبادل الاتهامات بل تأسيس ثقافة سياسية تجعل الاعتراف بالمشكلة بداية للحل وتجعل تقييم الأداء معيارًا للاستمرار والتصحيح. فالحكومة القوية ليست التى تخلو مسيرتها من الأخطاء، وإنما التى تملك الشجاعة لتصحيحها والبرلمان الفاعل ليس الذى يكتفى بإقرار القوانين، وإنما الذى يضمن أن تخدم مصالح المواطنين.
وفى النهاية، لا يريد المواطن كشف حساب على الورق، بل يريد أن يرى أثره فى حياته. فالثقة لا تطلب من الناس وإنما تبنى بالنتائج والشفافية والمساءلة والقدرة على تحويل الوعود إلى واقع.
إن السؤال الحقيقى ليس من يقدم كشف الحساب، بل ماذا سيتغير بعده.
نقلا عن المصري اليوم





