ماهر الجاولي 

في معظم الأحيان نحاول أن نكون ظرفاء مع الغرباء، وننتقي كلماتنا بعناية عند التحدث معهم، وفي المقابل نفقد صبرنا بسبب موقف بسيط مع أقرب الناس إلينا خاصة في محيط العائلة. 

ولا يعني هذا أننا نحب الغرباء أكثر من المقربين إلينا والذين يقسموننا حياتنا اليومية.. لكن هذا السلوك المتضارب يطرح تساؤلاً ملحاً هو: 

"لماذا يحصل أحباؤنا على أقل قدر من ضبط النفس عند تعاملنا الدائم معهم، بينما نحرص دائماً علي التعامل بهدوء وصبر وكياسة مع الغرباء؟"

الألفة قد تقلّل حرصنا
مع الغرباء، ننتبه إلى صورتنا وإلى أثر كلامنا. أما مع المقربين، فقد نطمئن إلى محبتهم ونتوقع أنهم سيتفهمون انفعالنا ويسامحوننا. 
لكن هذا الفهم الخاطئ قد يؤدي إلى شعور  الأقرباء بعدم الأمان خاصة مع تكرار إساءتنا إليهم. فالمحبة لا تجعل هولاء الأقرباء محصنين من ألم إساءتنا لهم. 

التوقعات تزيد حساسية المواقف
ننتظر من أحبائنا فهمًا واهتمامًا أكبر، ولذلك قد نرى في تأخر الرد إهمالًا، أو في نسيان طلبٍ دليلًا على عدم التقدير. غير أن تفسيرنا ليس دائمًا هو الحقيقة؛ فقد يكون الآخر القريب متعبًا أو منشغلًا، أو لم يفهم ما نحتاج إليه.

وقولنا: «كان ينبغي أن يعرف» لا يغني عن التعبير الواضح عن احتياجاتنا. فالقرب لا يمنح القدرة على قراءة الأفكار.

قد يصل ضغط اليوم إلى الشخص الخطأ
أحيانًا نحمل تعب العمل والقلق والمسؤوليات إلى البيت، فيصبح موقف صغير شرارة لانفعال تراكم طوال اليوم. 
وهنا يفيد أن نسأل أنفسنا: «هل غضبي بحجم هذا الموقف، أم أنني أفرغ فيه ضغوطًا أخرى؟»

فهم مصدر الانفعال يساعدنا على التعامل معه، لكنه لا يعفينا من مسؤولية كلماتنا وتصرفاتنا.

كيف نختلف دون أن نجرح؟
لاحظ انفعالك مبكرًا: ارتفاع الصوت، وتسارع الكلام، والرغبة في التجريح إشارات إلى أنك تحتاج إلى التوقف قبل مواصلة النقاش.

خذ استراحة واضحة: قل: «أنا متوتر الآن، وأحتاج إلى بعض الوقت لأهدأ، ثم نكمل حديثنا». واتفقا على وقت للعودة، حتى لا تتحول الاستراحة إلى تجاهل أو عقاب بالصمت.

صف الموقف بدلًا من مهاجمة الشخص: قل: «تضايقت عندما قاطعتني»، بدلًا من: «أنت لا تحترمني أبدًا».

اطلب ما تحتاج إليه مباشرة: مثل: «أحتاج أن تسمعني حتى أنتهي»، أو: «أرجو أن تخبرني إذا تغير موعدك».

ناقش خلافًا واحدًا: استدعاء كل الأخطاء القديمة يجعل حل المشكلة الحالية أصعب.

اعتذر بوضوح إذا أخطأت: قل: «أسلوبي كان جارحًا، وأنا مسؤول عنه»، ثم اعمل على تغيير السلوك. فالاعتذار يفقد أثره عندما تتكرر الإساءة نفسها.

المحبة لا تعني كتمان الألم
من حقك أن تغضب، وتعترض، وتطلب التغيير، وتضع حدودًا. وليس مطلوبًا منك أن تتظاهر بأن كل شيء بخير، إلي أن تنفجر مع أتفه الأسباب.

قبل أن تتحدث وأنت غاضب، اسأل نفسك: هل أريد أن يفهمني هذا الشخص القريب، أم أريد أن أؤلمه كما تألمت؟

أقرب الناس إلينا يستحقون أن نحرص على كرامتهم، حتى في أشد لحظات الخلاف. فالحب يظهر في دفء الكلام وقت الرضا، وفي احترام الإنسان وقت الغضب.

علينا إذن أن نعاود التفكير في طريقة تعاملنا مع الأقرباء - وليس الغرباء فهم الأقرب إلى مشاعرنا، ومعهم نتقاسم الحياة