(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
مقدمّة
أختتمُ تقديمَ حزمةٍ مختارة من رسائل البابا لاوُن الرابع عشر التي نادى بها –بجراءةٍ ومحبّةٍ للحقيقة– في الأراضي الفرنسيّة (باريس، ولورد، ومتز)، من الـ25 إلى الـ28 من سبتمبر/أيلول للعام الجاري (2026). وهذه الرسائل مستقاةٌ بدورها من أحاديثه وخطاباته أثناء المحطّات المتنوّعة من زيارته الرسوليّة لفرنسا. وهذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة. وتكمن بدورها في التأكيد على أنّ هذه الزيارة الرسوليّة هي "زيارةٌ مريميّة" بامتيازٍ، وكذلك في عرض الملخّص الذي قدّمه البابا لاوُن الرابع عشر ذاته، في مقابلته العامّة يوم الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول لعام 2026، بشأن زيارته الرسوليّة لفرنسا.
10. زيارةٌ مريميّة، ولا سيّما إلى "مزار سيّدة لورد"
+ «في هذا المكان ظهرت سيّدتنا مريم العذراء الكلّيّة الطّهارة للقدّيسة برناديت وهي تحمل المسبحة الورديّة، وكأنّها ترشدها كيف تصلّي. لهذا، أدعو اليوم جميع المؤمنين وجميع الجماعات المسيحيّة إلى أن يصلّوا صلاة المسبحة الورديّة، خلال شهر تشرين الأوّل/أكتوبر المقبل، بنيّة خاصّة، هي أن تتوقّف الحروب ويحلّ السّلام بين الشّعوب المتصارعة. ولترافق صلاتنا أعمالٌ محسوسة من التّوبة والرّحمة، والتزامٌ دائم بتعزيز الحوار والمصالحة» [18].
+ «"أنا الحبل الطّاهر"! بهذه الكلمات عرّفت مريم العذراء نفسَها هنا بالذّات، في عظيم تواضعها، وهي في الوقت نفسه تشكر لله على الامتياز الفريد الذي أنعم به عليها، والذي هو لنا فجر الخلاص. وباستحقاقات آلام يسوع وقيامته من بين الأموات، أراد أن يصون أمّه من كلّ أثر للخطيئة الأصليّة. فجعل منها حوّاء الجديدة التي لن يكون للشيطان عليها سلطان أبدًا، ومنها يبدأ كلّ شيء من جديد، ويصير كلّ شيء ممكنًا من جديد، للعالم كما لكلّ واحد منّا. لهذا، فإنّ عونها وشفاعتها ليسا أمرَين ثانويَّين بالنّسبة إلى المسيحيّ الذي يريد أن يقبل نعمة الفداء الذي تمّ بدم يسوع، وأن يجاهد ضدّ الشّرّ» [19].
+ «في الواقع، لا يوجد طريقة أفضل للوصول إلى يسوع من المرور بمريم العذراء. كلّ شيء فيها يقودنا إلى ابنها» [20].
+ «ففي هذه اللحظة التّاريخيّة، وفي مجتمع يسعى إلى التّقدّم والرّفاه المادّي، لكنّه يُغرى أحيانًا بنسيان أفق الأبديّة، تأتي مريم العذراء لتذكّرنا بسموّ دعوتنا إلى الحياة، وبمدى اتّساعها، أي إلى الحياة الأبديّة. أمام التيّارات الرّاهنة التي تسعى إلى إعادة تحديد قيمة الحياة البشريّة أمام المرض أو الألم أو الشّيخوخة، تقف مغارة ماسابييل (Massabielle) مزارًا للرجاء المسيحيّ [...] أيّها الحجّاج، أيّها الإخوة والأخوات، لن تعودوا من لورد كما أتيتم إليها. بل ستعودون رسلًا للرجاء. هذه هي معجزة هذا المكان: أن يُوقِظ فرح الرّجاء في قلب المحنة والألم بالتّحديد. إنّ سيّدتنا مريم العذراء تشفي نظرنا وتحوّل قلوبنا، فتهبها السّلام» [21].
خُلاصة
لقد لخّص البابا لاوُن الرابع عشر ذاته، في مقابلته العامّة يوم الأربعاء 30 سبتمبر/أيلول لعام 2026، زيارتَه الرسوليّة لفرنسا بمحطّاتها الثلاث (باريس، ولورد، ومتز). وفي هذه المقابلة العامّة، قد عبَّر قداسةُ البابا عن شكره وامتنانه لله وللجميع؛ وكذلك استخدم "كاتدرائيّة نوتردام" في باريس كرمزٍ موحِّد ومحوريّ لزيارته الرسوليّة برمّتها: "الولادة الجديدة". وعلى هذا النحو، قد شَرحَ قداستُه تطوُّرَ زيارته الرسوليّة كما يلي:
«أودّ اليوم أن أكلّمكم على الزّيارة الرّسوليّة إلى فرنسا التي قمتُ بها في الأيّام الماضيّة [...] أودّ أن أجمع الأفكار والانطباعات، التي لا تزال حيّة جدًّا في نفسي، عن هذه الزّيارة الرّعويّة حول رمز كبير واحد: كاتدرائيّة نوتردام في باريس. ففيها، بعد ظهر اليوم الأوّل، احتفلنا بصلاة الغروب لسيّدتنا مريم العذراء، في ليتورجيّا احتفاليّة ومليئة بالفرح في آنٍ معًا، حيث جعلت الموسيقى والتّرنيم وجمال الكنيسة القلوبَ المتّحدة بالصّلاة تهتزُّ انفعالًا. كاتدرائيّة نوتردام نفسها، بما عاشته من مأساة، يمكنها أن تنير رمزيًّا كلّ هذه الزّيارة الرّسوليّة، فتقدّم مفتاحًا لقراءتها يمكنني أن ألخّصه في كلمة واحدة: الولادة الجديدة [...] وقبل كلّ شيء، فإنّ كاتدرائيّة نوتردام هي صورة للكنيسة المؤلّفة من حجارة حيّة، أي صورة لشعب الله المقدّس [...] الكنيسة، التي لا تُبنى من الحجارة أو الإسمنت، بل من أشخاص يحبّون يسوع المسيح لأنّه أحبّهم [...]
كان من الطّبيعي ومن الواجب أن أتوجّه، بعد باريس، حاجًّا إلى مزار لورد، لأكرّم أمّ الكنيسة، مريم العذراء، التي في ساعة الآلام والموت، تُبقي مصباح الإيمان والرّجاء مضاءً. في مزار لورد، الرّبّ يسوع، من خلال عناية سيّدتنا مريم العذراء الوالديّة، ينقل إلى الجميع، الحجّاج، ولا سيّما المرضى في الجسد والرّوح، رسالة رجاء وولادة جديدة [...]
كانت المحطّة الثّالثة والأخيرة في الزّيارة الرّسوليّة مدينة متز (Metz)، الواقعة في منطقة من فرنسا وأوروبا التي عانت من ويلات الحرب العالميّة الثّانية. هناك عمل روبرت شومان، أحد أهمّ الملهمين لمسيرة توحيد أوروبا. وهناك وُلدت أوروبا المعاصرة تحديدًا كمشروع للسلام، بعد دمار الحرب. يمكننا أن نقول إنّ ما حدث في كاتدرائيّة نوتردام في باريس بسبب الحريق، حدث في أوروبا بسبب الحرب العالميّة الثانيّة. وأوروبا ولدت من جديد، على أساس مبادئ الدّيمقراطيّة والتّضامن والأخوّة بين الشّعوب، وهي مبادئ تدين بالكثير لجذورها المسيحيّة. اليوم أيضًا، يمكن لمشروع أوروبا أن يتجدّد على هذه الأسس، وبـ"رحيق الحياة" هذا، في عالم زاد طابع العولمة فيه، حيث يلعب الحوار بين الأديان دورًا بالغ الأهمّيّة. لهذا، التقيت في متز (Metz) مع ممثّلي مختلف التّقاليد الدّينيّة، الذين قرأوا ووقّعوا بحضوري "نداء متز" (Metz) من أجل الحوار والسّلام» [22].





