د. محمد طه

أربع مفاتيح..
عارف إيه أول إحساس بيحسه الطفل المولود جديد بمجرد ما ينزل من الرحم؟
برافو عليك.. مذاكر الكتب السابقة..
إحساس الخوف..
عارف الخوف من إيه؟
الخوف من الموت.. الخوف من الفناء.. 
حط نفسك مكانه كده.. 

تصور إن المكان الدافي المقفول اللى عاش فيه شهور اختفى.. وانه انفصل فجأة عن جسم أمه.. 
نور يخترق عينه.. 
صوت يدخل ودانه.. 
هوا.. برد.. لمس.. جوع.. وتنفس لأول مرة.. 
عالم كامل اقتحم وجوده مرة واحدة..

الطفل بيحس أمام كل هذا العالم المفاجئ الضخم المقتحم.. بنوع بدائي جدًا وعميق من الخوف.. وصفه بعض علماء النفس باسم Annihilation Anxiety  أو Fear of Annihilation.... الخوف من الفناء..

إحساس بدائي إن وجودك نفسه مهدد.. إنك ممكن تتفكك.. تختفي.. ماتفضلش موجود بالشكل اللى إنت عليه..
الطفل بيتولد وجواه غريزة أساسية، موجودة في برنامجه الجينى، وفى طبقات وعيه القديمة العميقة، بتقوله: إنت كائن مبرمج بيولوجيًا على الحياة والبقاء.. لكن في نفس الوقت.. البقاء للأبد مستحيل..

وكأن ولادة كل طفل جديد هي عملية نزول جديدة للإنسان من الجنة إلى الأرض.. من جنة الرحم إلى أرض الحياة.. 
ومع كل ولادة.. ومع كل نزول أرضى جديد.. بيحضر لذهنى معنى الآية الكريمة من سورة الأعراف اللى بتوصف نزول سيدنا آدم وستنا حواء من الجنة للأرض: "قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ"..  الأعراف - 24
في الآية اقترن الوجود على الأرض ب (إلى حين).. يعنى لغاية وقت محدد.. مش للأبد..

والآية التالية لها مباشرة بتتكلم بوضوح شديد عن (الحياة) وعن (الموت): "قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ".. الأعراف - 25
وكأن الرسالة دى احنا نازلين بيها الأرض.. وبنتولد بيها من أرحام أمهاتنا.. ومزروعة فى عقلنا ووعينا وخلايانا..

الحياة موجودة..
والنهاية موجودة..
وبين الاتنين.. فيه "حين".. 
ليك وقت محدد هنا..

منطقى جداً يكون أول شعور نقابل بيه الحياة بعد الولادة.. هو الخوف من انتهاء هذا (الحين)..
طفلنا بعد شوية.. وبالتدريج.. 
لما يتفطم.. لما حاجة تضيع.. لما حد يمشي.. لما يسمع لأول مرة إن حد مات.. لما يكتشف إن أمه وأبوه مش موجودين للأبد.. وعيه يزيد بالحقيقة الصعبة دى.. اللى مش بتنطبق عليه وحده.. لكنها بتنطبق كمان على اللى بيحبهم..
هنا يعرف الخوف من الفقد.. والخوف من الخسارة.. والخوف من النهايات.. 

معلش.. استحمل الكلام معايا.. أنا عارف..
الخوف ده بيفضل جواه.. مش بيروح.. مش بيختفى.. ممكن مع العمر والخبرة يتناساه.. ممكن طبعاً مع الإيمان واليقين بالحياة الآخرة يعرف يتعايش معاه.. يقبله.. لكنه بيفضل موجود.. تحت السطح.. عنده.. وعندك.. وعند كل الناس..

ولما نكبر شوبة... بيتضاف علي الخوف ده ثلاث مخاوف اخرى.. لثلاث حقائق حياتية أخرى.. 
ويبقى عندنا ما يسميه علم النفس الوجودي الأسئلة/الهموم/المعضلات الوجودية الأربعة.. Four Ultimate Existential Concerns.. 
خد نفسك.. 
وهأقولك عليهم بعد شوية..
***

معظم مدارس علم النفس بتفترض ان المشاكل والصعوبات والأمراض النفسية بنشأ نتيجة عوامل كتير، أهمها خبرات الطفولة، صدمات وضغوطات الحياة المبكرة، والرسايل اللى وصلت لينا واحنا صغيرين عن نفسنا وعن الآخرين وعن العالم..

لكن علم النفس الوجودى بيقولنا حاجة تانى خالص.. حاجة أعمق.. وفى أوقات كتير.. أصدق..
بيقولنا إن أعمق معاناتنا النفسية لا تنبع من أحداث طفولتنا فقط.. لكن من مواجهتنا — أو هروبنا — من حقائق وجودنا الأساسية الأربعة..
أربع حقائق مهمة في الحياة.. لو قدرت تفهمهم، وتستوعبهم، وتتعامل معاهم بنضج واتزان وذكاء.. هاتعرف تعيش حياتك.. بأقل قدر من المشاكل والصعوبات النفسية.. 

ولو ماقدرتش تفهمهم ولا تستوعبهم، واتعاملت معاهم بتجاهل أو تعالى أو )عدم ذكاء(.. فأهلاً بيك في عيادة الأمراض النفسية.. أو مستشفى الأمراض العقلية.. أو في أحسن الأحوال.. في تيه وحيرة حياتية وعلاقاتية ووجودية، تنغص عليك العيش، والعيشة، واللى عايشينها..
إيه الأربع حقائق دول؟

شوف يا سيدى..
أولهم وأهمهم زى ما اتفقنا حقيقة الموت: حقيقة قاسية.. مافيهاش جدال ولا هزار.. هايحصل هايحصل.. لكل المخلوقات.. ليك وليا ولكل حد نعرفه أو نحبه.. حقيقة صادمة ساحقة.. لا نملك أمامها إلا الاستسلام.. والعجز التام.. والمقصود مش بس الموت الجسدى.. كمان الموت بمعنى الفقد والخسارة والنهايات..
ثانيهم..

المعنى: ايه معنى الحياة؟ إيه معنى حياتى؟ ليه جينا هنا؟ بنعمل إيه في الدنيا دى؟ وليه؟ إيه المعنى وسط كل هذه الآلام والمصاعب والأهوال.. الحروب والزلازل والبراكين.. إيه معنى اللقاء ثم الفراق.. ليه الفرح ثم الحزن.. إيه الفكرة؟ إيه الهدف؟

ثالث هذه الحقائق..
العزلة/الوحدة: قابل كل يوم مائة واحد، عيش وسط عيلة من عشر أفراد.. صاحب، وحب، واتجوز.. اشتغل.. سافر واعرف ناس وأماكن.. لكن في الآخر.. إنت وحدك.. ليك وعي منفرد.. نفسك مقفولة عليك بكل ما فيها.. محدش بيحس اللى فيك زيك.. محدش يعرف اللى حاصل جواك غيرك.. أنت صندوق مغلق يمشى على قدمين.. وسط مجموعة هائلة من الصناديق الأخرى..

والحقيقة الرابعة والأخيرة..
الحرية: هو انت حر بجد؟ يعنى انت بتختار اللى بتختاره فعلاً؟ طيب ومئات العوامل اللى بتؤثر عليك كل لحظة؟ وتأثيرات مستويات السيروتونين والدوبامين اللى في دماغك؟ وصلاتك العصبية اللى بتحدد من يوم ولادتك بعض صفات شخصيتك.. وجيناتك؟ وتأثيرات مجتمعك؟ هل إنت فعلاً اللى بتقرر قراراتك؟ فين حدود مسئوليتك؟ طيب ومساحة الحرية اللى معاك، هاتعمل بيها إيه؟ هاتستخدمها إزاى؟ هاتقدر تتحمل مسئوليتها ومسئولية قرارتك واختياراتك؟
كلام تقيل.. وصعب.. 
عارف..
بس إنت دلوقت.. وفى المرحلة دى من وعيك النفسي.. محتاج التقيل.. ومحتاج الصعب..

إذن..
الموت.. والخوف منه..
المعنى.. والبحث عنه..
العزلة.. والهروب منها..
والحرية.. وثمن الاختيار والقرار والمسئولية..
الأربع حقائق دول، شاف علماء النفس ان الصراع معاهم موجود في عمق كتير جداً -من الصعوبات النفسية.. من أول الاكتئاب وحتى الادمان.. حتى ادمان العمل.. حتى ادمان الجنس..

أربع مشاكل عميقة.. بيخلقوا جوانا آلاف الأسئلة.. ويحركوا داخل عقلنا الباطن كل أنواع التوتر والقلق والخوف.. 
وأقساهم وأكبرهم على الإطلاق طبعاً ما يطلق عليه (قلق/خوف الموت Death Anxiety).. 
ممكن تكون بتقرأ الجملة دى ده، وتقول جواك: بس أنا مش خايف من الموت! أنا مؤمن بالله.. وعارف إن الموت حق.. وعارف إنه جاي.. ومتقبله.. وعارف إن فيه آخرة وحساب وجنة ونار.

جميل..
لكن أنا مش باتكلم عن ده.. مش باتكلم عن موقفك العقائدي من الموت.. ولا عن إيمانك بوجوده.. ولا حتى عن استعدادك الواعي ليه.. أنا باتكلم عن حاجة أعمق شوية.. عن الجزء الإنساني جواك اللى عارف إن وجودك محدود.. وان وقتك هايخلص.. 
الجزء اللى شايف إن جسمك بيكبر وبيتغير..
اللى متأكد إن اللى بيحبهم هايمشوا..

وإن كل حاجة ليها بداية.. هايكون ليها نهاية.. ناس.. علاقات.. مراحل.. أدوار.. شباب.. صحة.. أحلام.. وحتى نسخ قديمة من نفسنا..
أنا باتكلم عن الأثر النفسي اللى بتعمله الحقيقة دي جوانا.. سواء كنا واعيين بيه أو لأ.
وبالمناسبة.. حتى الخوف المرتبط بالموت نفسه مش حاجة واحدة.

عالم النفس الكبير (إيرفين يالوم) بيفرق بين أكتر من حاجة ممكن نخاف منها وإحنا بنقول كلمة (الموت): ممكن تخاف من عملية الموت نفسها.. من الألم.. من المجهول.. من إنك تسيب اللى بتحبهم.. من اللى هايحصل لهم بعدك..

وفي ثقافتنا الدينية فيه بُعد تاني مهم جدًا.. إنك ممكن تكون مؤمن بالموت تمامًا.. ومتقبله كحقيقة.. لكن عندك خوف طبيعي من اللى بعده.. من الحساب.. من المصير.. من العقاب.. وده برضه واحد من المخاوف المرتبطة بالموت، ومش معناه إطلاقاً إن إيمانك بالموت ناقص أو إنك بتنكره.
وعلشان كده يمكن تعبير «الخوف من الموت» نفسه مايكونش دقيق كفاية.. لأنك مش لازم تكون «خايف» من الموت (أو الفقد أو النهاية) بالمعنى المباشر المعروف علشان تتأثر بحقيقته..

ممكن تكون مؤمن بيه.. قابله.. بتتكلم عنه بكل هدوء ورضا وسكينة.. ومع ذلك عقلك، زيه زي أي عقل بشري، عنده طرقه الخاصة في التعامل مع بعض جوانبه.. لحظته.. مكانه.. فراقه.. وما بعده..

إذن..
عندنا أربع آلام مزمنة في عقل البشر والبشرية منذ نشأتها.. 
أربع علامات استفهام بحجم الكون والمجرات والعوالم..
وقصاد كل حيرتها.. وأسئلتها.. والقلق والخوف الناتج عنها.. ولأن هذا العقل المسكين لا يستطيع الصمود طويلاً أمام الحيرة والغموض وعدم الوضوح.. ابتكر الإنسان عشرات ومئات الطرق للتعامل معاها.. من أول الميكانيزمات الدفاعية النفسية وحتى الضلالات والهلاوس.. واخترع كل ما يمكن لتهدئة ضغطها وإلحاحها.. من أول الفلسفة والعلوم، وحتى الأدوية والمخدرات..

ساوم كل المساومات لايجاد بعض الإجابات.. 
اللى نجح.. قدر يعيش في سلام.. حتى لو كان نسبى.. 
واللى مانجحش.. 

يا إما مازال بيبحث ويتساءل ويدوّر.. رغم المخاطرة.. رغم الغموض.. رغم الحيرة..
أو قرر إنه يستسلم.. وينسحب.. ويغيّب وعيه عن قصة الحياة دى برمتها.. ووقع فريسة لمشاكل وصعوبات نفسية وروحية.. وأحياناً جسدية.. مالهاش عدد ولا حصر..

يعنى فيه ناس قررت تمشى في اتجاه الحياة.. بالرغم من معرفتها إن الحياة مؤقتة.. وإنها معرضة في أي لحظة للفقد والخسارة.. وإن مافيش إجابات لكل الأسئلة.. ولا فيه ضمانات لكل الاختيارات.. وإن جزء من الرحلة هانمشيه لوحدنا..
وناس تانية عطلّت حياتها.. علشان تحمي نفسها من كل ده..

ناس قررت تقرّب.. تحب.. تجرب.. تختار.. تغلط.. تتحمل مسئولية الأخطاء.. تفقد.. تحزن.. وتقوم تكمل..
وناس تانية -من غير ما تاخد بالها- بدأت تنسحب.. خافوا من الحب علشان الفقد.. ترددوا أمام الاختيار علشان المسئولية.. تراجعوا عن القرب علشان الانفصال.. أحجموا عن التجربة علشان الفشل.. وهربوا من الحياة نفسها.. علشان مش مضمونة..
حد قرر يحيا.. برغم حتمية الموت والفقد والخسارة والنهايات..

وحد قرر يموت.. وهو مازال حي بين أهله وأصحابه وأحبابه وأولاده..
أتمنى تعرف بعد شوية.. إنت مين في دول.. أو عاوز تبقى مين في دول..
على فكرة.. (إيرفين يالوم) اللى ذكرت اسمه من شوية، هو أكتر عالم وطبيب نفسي أتكلم عن علاقتنا بالحياة وعلاقتنا بالموت، وهمومنا ومعضلاتنا الوجودية، وهو ماتكلمش عن كل ده من فراغ..

يالوم اشتغل سنين طويلة مع المصابين بأمراض مستعصية، والمرضي اللى في مراحل متأخرة من حياتهم، وقعد كتير قدام ناس عارفين إنهم بيموتوا.. سمعهم وشافهم وحس بيهم وهما بيتكلموا عن الخوف.. والفقد.. والندم..ومعنى الحياة وهي بتقرب من نهايتها.. 

وبعد سنين طويلة من الكتابة عن الموت ومخاوفه وضرورة قبوله والتسليم بيه.. جه الدور عليه هو شخصياً إنه يقف قصاده من أقرب مسافة ممكنة.. لما اكتشف إن زوجته (مارلين) أصيبت بالسرطان.. وقرروا هما الاتنين وقتها يكتبوا تجربتهم مع بعض في مواجهة النهاية المحتومة.. هي تكتب فصل.. وهو يكتب فصل.. ولما ماتت.. (يالوم) كمل الكتاب لوحده.. المرة دى مش كطبيب نفسي بيساعد حد يتعامل مع الفقد.. لكن كإنسان.. بيحاول هو نفسه يتعامل معاه.. 

الكتاب صدر سنة 2021، وعنوانه: A Matter of Death and Life.. مسألة موت وحياة.
قبل ما ننهى الكلام.. هأقولك حاجتين..

الحاجة الأولى..
قرار الحياة وقرار الموت مش قرارات عقلية ونفسية فقط.. دى قرارات جسدية كمان.. جسمنا بيسمعها.. ويفهمها.. ويستجيب ليها.. زى ما هانشوف في فصل قادم..

الحاجة التانية.. 
عارف إيه أغرب وأعجب وأخبث طريقة للهروب من خوف الموت بأشكاله ومعانيه، غير إنك تهمل صحتك، وتطفى علاقاتك وتقفل على نفسك، وتبعد عن الناس، وتنسحب، وتعيش بنص روح؟
إننا نعمل العكس تماماً.. إننا نهرب منه.. في اتجاه الحياة..
آه.. نضحك على نفسنا.. وتنغمس انغماس شديد في الحياة (وكلمة الدنيا هنا هاتكون هنا أوقع)..

نشتغل أكتر.. 
نسيطر أكتر..
ننجز أكتر..
نمارس الجنس أكتر..
نشترى أكتر..
نجري ورا الشباب..
ونجري ورا الوقت..

نعمل حاجات شكلها كلها ناحية الحياة.. لكننا في الحقيقة بنخدر نفسنا من احتمالات الفقد.. والخسارة.. والموت..
ودي أغرب مفارقة هانقابلها..
إن بعض الطرق اللي بنستخدمها علشان نحمي نفسنا من الفقد والخسارة والموت.. 
ممكن تكون هي نفسها.. اللي بتحرمنا من الحياة والقرب والحضور..

خليك فاكر الأربع حقائق اللى حكينا عنهم..
الموت..
والمعنى..
والعزلة..
والحرية..
لأننا هانقابلهم كتير وإحنا ماشيين..
ويمكن نكتشف في الآخر..
إن الحاجات اللى قضينا عمرنا بنحاول نهرب منها..
كانت هي نفسها.. 
مفاتيح حياتنا..
د. محمد طه