د.ماجد عزت إسرائيل
في الذكرى الأولى لنصر السادس من أكتوبر، حرص قداسة البابا شنودة الثالث، البطريرك الـ117(1971-2012م) للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، على أن تتحول المناسبة من مجرد احتفال بالنصر العسكري إلى رسالة وطنية وروحية تؤكد وحدة الشعب المصري، وتكرّم الشهداء، وتحيّي القوات المسلحة وقيادتها.
ففي أكتوبر عام 1974م دعا البابا شنودة الثالث إلى مؤتمر شعبي بالقاعة المرقسية بدير الأنبا رويس بالعباسية، حضره كبار رجال الدولة والقوات المسلحة، إلى جانب عدد من أبطال العبور وأسر الشهداء من المسلمين والمسيحيين. وقد وثّقت مجلة الكرازة وقائع هذا المؤتمر ضمن تغطيتها للذكرى الأولى لانتصار أكتوبر.واستهل قداسة البابا كلمته بموقف بالغ الدلالة، إذ دعا الحاضرين إلى الوقوف دقيقة حدادًا على أرواح شهداء الوطن، ثم وجّه التحية باسم الحاضرين إلى الرئيس محمد أنور السادات، الذي وصفه بـقائد العبور وصاحب خطته وقراره، كما وجّه تحية خاصة إلى القوات المسلحة المصرية، مشيدًا بما أظهرته من شجاعة وتضحية وفداء، ومحييًا قادتها وفي مقدمتهم المشير أحمد إسماعيل والفريق محمد عبد الغني الجمسي.ولم تقتصر كلمة البابا على الإشادة بالنصر العسكري، بل حملت رسالة عميقة عن معنى الوحدة الوطنية، مؤكدًا أن المصريين، مسلمين ومسيحيين، تجمعهم هوية واحدة ومصير واحد. ومن أشهر ما قاله في هذه المناسبة:
«نحيي الروح الوطنية التي تربطنا باستمرار معًا، وفي كل مناسبة يجتمع المسيحيون والمسلمون كإخوة أعزاء، بدم واحد هو دم مصر، ووطنية واحدة، وقومية واحدة، وأهداف واحدة ووسائل واحدة.»ثم انتقل قداسة البابا إلى الحديث عن القيمة التاريخية ليوم السادس من أكتوبر، موضحًا أن هذا اليوم لم يكن وليد لحظته، وإنما سبقته سنوات طويلة من الانتظار والصبر والعمل والاستعداد منذ نكسة يونيو 1967م. ورأى في نصر أكتوبر مجموعة من المعاني الروحية والوطنية، أهمها الصبر، وعدم اليأس، والحكمة في اتخاذ القرار، والرؤية الهادئة البعيدة عن الانفعال، مؤكدًا أن الشعوب القوية تستطيع أن تنهض بعد المحن مهما اشتدت.
كما أشاد البابا شنودة بحكمة القيادة المصرية في إدارة تلك المرحلة، وقال عن الرئيس أنور السادات إنه يتميز بـ«الحكمة والرؤية والتفكير العميق»، وهي العبارة التي وردت ضمن تغطية كلمة البابا في مؤتمر الذكرى الأولى للنصر.ولم يكن موقف البابا شنودة من حرب أكتوبر مقتصرًا على الكلمات والخطب. فخلال الحرب وما بعدها شاركت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في دعم المجهود الوطني، من خلال زيارة المستشفيات العسكرية والجرحى، وتشجيع الدفاع المدني، وجمع المساعدات والتبرعات، ومساندة الجنود وأسر الشهداء. كما زار البابا القوات المسلحة والجبهة، وتذكر المصادر الرسمية للبابا أنه زار الجبهة في سيناء عام 1974 بصحبة اللواء أحمد بدوي قائد الجيش الثالث.وقبيل الاحتفال بالذكرى الأولى للنصر، قام أعضاء المجلس الملي العام في 6 أكتوبر 1974م بزيارة مقابر شهداء الحرب ووضعوا أكاليل الزهور تكريمًا لأرواحهم، كما شهدت الكنيسة فعاليات وصلوات وطنية إحياءً لذكرى الشهداء وتقديرًا لتضحيات القوات المسلحة.وهكذا مثّل موقف البابا شنودة الثالث من حرب أكتوبر وما أعقبها نموذجًا واضحًا لدور الكنيسة الوطني؛ فلم ينظر إلى النصر باعتباره حدثًا عسكريًا فقط، بل اعتبره انتصارًا للإرادة المصرية، ودليلًا على قدرة مصر على تجاوز الهزيمة، وفرصة لتأكيد أن الوطن يجمع أبناءه جميعًا دون تفرقة. وبقيت كلماته في الذكرى الأولى للنصر شاهدة على مرحلة كان فيها صوت الكنيسة حاضرًا إلى جوار الدولة والجيش والشعب، تحت راية واحدة هي مصر.





