الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ 
استلهمتُ هذه الفكرة من ألبينو لوتشياني، بطريرك البندقيّة الذي صار لاحقًا البابا يوحنّا بولس الأوّل. كان يكتب رسائل متخيَّلة إلى شخصيّات من التاريخ وشخصيّات من الأدب، يحاورهم فيها بدعابة، ويقول من خلالها أشياء جادّة جدًا من دون أن يفقد ابتسامته. ونشرها في سلسلة مقالات في المجلة الإيطاليّة "مِساچيرو دي سانت أنتونيو" فقلتُ: ولماذا لا أجرّب أنا أيضًا؟ وكانت الرسالة الأولى، بطبيعة الحال، إلى نجيب محفوظ....

عزيزي الأستاذ نجيب،
كنتُ أودّ أن ألتقيك في مقهى، لا في ندوة. فالندوات تفسد أشياء كثيرة، خصوصًا الأدب والدين. كنتُ لأطلب فنجان قهوةٍ أتمنّى ألّا تكون مغشوشة، ثمّ أسألك مباشرة:
— يا أستاذ نجيب، قل لي بصراحة: كنتَ مؤمنًا أم مشاغبًا؟
وأظنّك كنتَ ستبتسم تلك الابتسامة الهادئة وتقول:
— وما الفرق؟
وهنا كنتُ سأعرف أنّ القهوة وحدها لن تكفي لتحفيزك على الحوار.
أنتَ فعلتَ شيئًا مزعجًا جدًا لنا، نحن المؤمنين: جعلتَ البشر أعقد ممّا نحبّ.

نحن نرتاح إلى التصنيف: هذا صالح، وهذا خاطئ؛ هذا قريب من الله، وهذا بعيد عنه. فتأتي أنت، تفتح باب الحارة، فنجد أنّ الصالح يخفي مصيبة، وأنّ الخاطئ يعرف عن الرحمة أحيانًا أكثر منه... بصراحة، هذه حركة غير لطيفة منك!

في "الثلاثيّة"، الأب صاحب الهيبة ليس بالبساطة التي كان يحب أن يراه بها أهل البيت. وفي "الحرافيش"، الفتو]ة ليس دائمًا قويًّا، والضعيف ليس دائمًا بريئًا. وفي "ثرثرة فوق النيل"، نكتشف أن المثقّفين يستطيعون الكلام طويلًا جدًا عن الوطن والإنسان والمصير، ثمّ لا يستطيعون تدبير مركبٍ صغير من غير كارثة.
كنتَ تعرف مصر جيدًا. وربّما لهذا كنتَ قاسيًا عليها بحنان.
....

لكن دعني أصل إلى المشكلة الحقيقيّة: "أولاد حارتنا".
أظنّ أنّك استمتعتَ قليلًا بإزعاج رجال الدين.
لا تنكر!

كتبتَ عن الجبلاوي، ثمّ تركتَ الجميع يتشاجرون: مَن هو؟ ماذا تقصد؟ هل هي رموز؟ هل يجوز؟ هل لا يجوز؟.... وأنت جالس في المقهى تحتسي قهوتك، وكأن الأمر لا يعنيك!

لكنّني، بصراحة، لم يزعجني السؤال عن الله في الرواية. أزعجني أكثر خوف بعض المؤمنين من السؤال. فالله، إن كان الله فعلًا، لا يحتاج إلى شرطةٍ أدبيّة تدافع عنه. ومن ناحية أخرى، الكتاب المقدّس نفسه مليء بأناس لم يتعاملوا معه بأدبٍ دبلوماسيّ زائد: أيّوب يحتجّ، وإرميا يشكو، والمزامير تصرخ: «إلى متى؟»، والمسيح نفسه يصلّي على الصليب: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»

أظن أن المشكلة لا تكمن في أن تقول لله: أين أنت؟ المشكلة هي أن تتوقّف عن البحث عنه أصلًا... وأنت، يا أستاذ نجيب، لعلّك بحثت عنه كثيرًا. وربّما أكثر ممّا كنتَ تحبّ أن تعترف.
...

وكنتُ أريد أن أسألك عن القاهرة! كيف استطعتَ أن تحبّ مدينة إلى هذا الحدّ وهي تعاقب مَن يحبّها؟ القاهرة غريبة! مَن يحبها لا يعرف كيف يبقى فيها، وإذا تركها لا يعرف كيف ينساها. عندك، القاهرة شخصيّةٌ عصبيّة جدًا: تلد الناس، وتربّيهم، وتضحك عليهم، وتكسرهم قليلًا، ثمّ تزعل منهم إذا فكّروا في السفر.

نغادرها فنشتاق إليها. نعود إليها، وبعد قليل نسأل أنفسنا: وما الذي أعادنا؟
والأغرب أنّ الحارة التي كتبت عنها لم تختفِ. لقد تطوّرت فقط. صار عندها Wi-Fi. والحرافيش فتحوا حسابات على فيسبوك. أما الفتوّات، فبعضهم اكتشف التلفزيون، وصار له برنامج، وربّما قناة كاملة إذا ربنا فتحها عليه!
...

عزيزي الأستاذ نجيب، 
أتعرف ما الذي يعجبني أكثر في عالمك؟ أنّ أحدًا لا يُختصر في خطيئته. وهذه، في الحقيقة، فكرةٌ مسيحيّة للغاية. نحن نخطئ حين نحوّل الإنسان إلى كلمة واحدة: مدمن. فاسد. ملحد. بعيد عن الله. ونرتاح... انتهى الملف. أمّا أنت فتقول لنا:
— تمهّل قليلًا يا صديقي. دعني أحكي لك قصّته أوّلًا.
وأحيانًا أظنّ أنّ الله يفعل الشيء نفسه. نصل إليه وفي أيدينا لائحة اتهامٍ كاملة عن إنسان ما، ملف مضبوط بالأختام والمستندات، فينظر إلينا ويقول:
— أعرف كل ذلك. لكن هل تعرف قصّته؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقيّة. لأن الحكم سهل. أما أن تعرف القصّة، فهذا متعب.
...

ولعلّي أراك الآن تعترض:
— يا أبونا، أنت أخذت الرواية وحوّلتها إلى عظة.
ومعك حق.
هذه آفة مهنيّة، لا شفاء منها فيما يبدو. لذلك سأتوقف. لكن قبل أن أغلق الرسالة، أريد أن أشكرك. شكرًا لأنك جعلتنا نرى أنفسنا من غير تجميلٍ كثير.
وشكرًا لأنك تركت بعض الأبواب مفتوحة. فالأدب الرديء هو الذي يعطيك جوابًا وتنتهي منه. أمّا الأدب الجيّد فيترك لك سؤالًا؛ يعود معك إلى البيت، ثمّ يدخل وراءك إلى مخدعك من غير استئذان، وربّما يقضّ مضجعك.
إذا كان في العالم الآخر مقهى — وأنا أتمنى ذلك — فاحجز لي كرسيًّا. لأني أودّ أن آتي ومعي سؤال واحد فقط. لن أسألك عن جائزة نوبل... سأسألك:
— يا أستاذ نجيب... هل قابلتَ الجبلاوي؟

وأرجوك هذه المرّة،
لا تجبني برواية من خمسمائة صفحة!
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ