ماجد سوس
في لحظات التاريخ الفاصلة، لا تتحدث الوثائق ولا تصاغ الحقائق في صالونات النظريات المغلقة، بل يكتبها الشعب بحبر قلوبه في الميادين والشوارع. ما شهدته محافظات الصعيد مؤخراً لم يكن مجرد مسيرات أو مشاعر عابرة، بل كان استفتاءً شعبياً، وطنياً وقبطياً، عفوياً وجباراً، يعلن للعالم أجمع حقيقة ناصعة: أن قداسة البابا تواضروس الثاني يتربع في قلوب الملايين، مسلمين ومسيحيين، بشرعية الحب والوفاء التي لا تزعزعها أوهام المتشككين.

إن هذه الشعبية الجارفة لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة مسيرة رجل تاريخي بشجاعة إصلاحية فريدة، قرر أن يفتح بشفافية وحكمة كل الملفات ويصلح البيت من الداخل. فلأول مرة في تاريخ مصر المعاصر، تُبنى الكنائس بقانون ينظمها ويحمي كرامتها، ولأول مرة تُمنح التراخيص القانونية الرسمية لكل كنائس مصر التي بُنيت عبر التاريخ، ولأول مرة نرى النور لقانون الأحوال الشخصية للأقباط الذي طال انتظاره لمئات السنين؛ إنجازات تاريخية غير مسبوقة أعادت صياغة واقع المواطنة وترسيخ دولة القانون.

لقد خرجت جموع الصعيد الأبيّ لتسجل محبة حقيقية سمع صداها العالم كله، وعرف الشرق والغرب أن مصر تضم رجلاً محبوباً في الداخل والخارج. خرجت تلك الجماهير لتردّ برقيّها المعهود على أقلام الأقزام وأصوات المزايدين الذين توهموا أن بمقدورهم النيل من قامة وطن بأكملها. لقد تناسوا أن الرجل المصلح الذي يتخذ من التواضع رداءً ومن الصبر سلاحاً، يمضي قدماً لتبقى الكنيسة المصرية -كما كانت دوماً- منارةً للعالم في الإيمان الصافي، والعقيدة الراسخة، والتعليم المستقيم.

اليوم، وبعد مشاهد الصعيد الفذة، فهم الجميع السر والسبب؛ عرفنا جميعاً لماذا تحتضن الدولة المصرية بكل مؤسساتها، وعلى رأسها سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، هذا الرجل العظيم. لم تكن العلاقة بينهما يوماً مجرد رسميات، بل هي قائمة على عمق الثقة المتبادلة، والمحبة الصادقة، والتقدير الرفيع لرجل وضع حجر الزاوية للمواطنة الحقيقية يوم قال كلمته الخالدة: "وطن بلا مساجد ولا كنائس خير من كنائس بلا وطن".

إن مظاهرات الحب في الصعيد لم تكن إلا مرآة تعكس معدن شعب مصر الأصيل، ورسالة واضحة لكل من يحاول المزايدة على رمز قبطي ووطني استثنائي: إن حب البابا تواضروس محفور في وجدان الأمة، وشرعيته استمدها من الله ثم من قلوب شعب يعشق الأوفياء