د.ماجد عزت إسرائيل
لم يكن نصر السادس من أكتوبر سنة 1973م ثمرة جهد القوات المسلحة وحدها، بل كان وراءه شعب مصري التف حول وطنه وجيشه في واحدة من أصعب مراحل التاريخ المصري الحديث.
وكان الأقباط جزءًا أصيلًا من هذه الملحمة الوطنية؛ شاركوا جنودًا وضباطًا وقادة في ميادين القتال، كما شاركت الكنيسة القبطية في دعم الجبهة الداخلية والمجهود الحربي ورفع الروح المعنوية للشعب والجنود.
وإذا أردنا أن نتتبع هذا الدور، فإن بدايته لا ترتبط فقط بأيام حرب أكتوبر نفسها، بل تمتد إلى السنوات السابقة لها، وبخاصة إلى حبرية القديس البابا كيرلس السادس البطريرك الـ 116، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية من سنة 1959م إلى سنة 1971م. فقد عاصر البابا كيرلس واحدة من أدق المراحل التي مرت بها مصر، بما فيها حرب يونيو 1967م، واحتلال سيناء، ثم مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف.
بعد هزيمة يونيو 1967م، حرص البابا كيرلس السادس على تأكيد موقف الكنيسة إلى جانب الوطن، وشارك في لقاءات وندوات وطنية هدفت إلى توحيد المصريين في مواجهة آثار الهزيمة. كما تشير المصادر الكنسية إلى أنه دعا إلى الصلاة في الكنائس من أجل مصر وقواتها المسلحة، وسعى إلى دعم الموقف المصري في الخارج، ومن ذلك اتصالاته ومواقفه المتعلقة بقضية القدس والقضية المصرية والعربية.وكان قداسة البابا كيرلس يؤمن بأن انتماء القبطي إلى الكنيسة لا ينفصل عن انتمائه إلى وطنه. وتنقل مصادر من تلك الفترة عنه تأكيده على تربية أبناء الكنيسة على «حب الوطن ومعنى الأخوة الحقة»، وهو ما يعكس المناخ الذي أراد أن تعيش فيه الكنيسة خلال تلك السنوات الصعبة.
وعندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تنحيه عقب هزيمة يونيو 1967م، تحرك البابا كيرلس مع وفد من رجال الكنيسة، وأعلن تمسك الأقباط باستمرار القيادة المصرية في مواجهة الأزمة، في موقف سجلته مصادر الكنيسة بوصفه أحد أبرز مواقفه الوطنية في تلك المرحلة. ولم يشهد البابا كيرلس السادس حرب أكتوبر نفسها؛ إذ تنيح في 9 مارس 1971م، قبل الحرب بأكثر من عامين. ولذلك فمن الأدق تاريخيًا ألا ننسب إليه أحداث حرب 1973 مباشرة، وإنما ننظر إلى دوره باعتباره جزءًا من مرحلة الصمود وإعادة بناء الروح الوطنية التي أعقبت حرب 1967 ومهدت للسنوات التالية.

ثم جاء قداسة البابا شنودة الثالث إلى الكرسي المرقسي في نوفمبر 1971م، وكانت مصر تستعد لاسترداد أرضها. وقد كانت له صلة قديمة بالحياة العسكرية؛ إذ خدم في شبابه ضابطًا احتياطًا، ولذلك جاءت لقاءاته بالجنود قبل الحرب محملة بلغة قريبة من حياتهم العسكرية. وزار قوات الجيش على الجبهة قبل أكتوبر، ومن الزيارات الموثقة زيارته في أبريل 1972م، كما تحدث إلى الجنود مرة أخرى قبيل الحرب مؤكدًا أن الدفاع عن الوطن شرف وواجب.
ومع اندلاع حرب السادس من أكتوبر 1973م، وقفت الكنيسة القبطية خلف الدولة والقوات المسلحة. دعا البابا شنودة الكنائس إلى الصلاة من أجل مصر والجنود، وحث رجال الكنيسة والجمعيات القبطية على المشاركة في دعم المجهود الحربي. كما شُكلت لجان لجمع التبرعات، وأخرى للعمل الإعلامي الخارجي وشرح الموقف المصري.
وتشير الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن الكنيسة قدمت كذلك مساعدات مادية وطبية واجتماعية للجهات الحكومية المعنية بالمجهود الحربي. ولم يكن الدعم بعيدًا عن المصابين في ميادين القتال؛ فقد زار البابا شنودة الثالث جرحى العمليات العسكرية في مستشفيات القوات المسلحة، وتذكر سيرته الرسمية زيارته لمستشفى القوات المسلحة بالمعادي أثناء حرب أكتوبر لتقديم تقدير الكنيسة للجنود المسلمين والمسيحيين الذين شاركوا في المعركة. أما على أرض المعركة، فلم يكن الجنود الأقباط وحدة منفصلة أو قوة ذات طابع طائفي، بل كانوا جنودًا وضباطًا في الجيش المصري الواحد، قاتلوا إلى جوار زملائهم المسلمين تحت العلم المصري.
ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بتلك المرحلة اللواء المهندس باقي زكي يوسف، الذي ارتبط اسمه بفكرة استخدام مضخات المياه ذات الضغط القوي لفتح الثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف، وهي التقنية التي استُخدمت أثناء العبور لتسهيل فتح الممرات أمام القوات والمعدات المصرية.
كما برز اسم اللواء أركان حرب شفيق متري سدراك، الذي امتدت مشاركته العسكرية من حرب 1967 إلى حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر. وخاض مع قواته معارك العبور والقتال في سيناء، واستشهد في 9 أكتوبر 1973م أثناء تقدمه مع قواته.
وتذكر المصادر كذلك نماذج أخرى من الضباط والجنود الأقباط الذين شاركوا أو استشهدوا أثناء الحرب، وهو ما يؤكد أن حرب أكتوبر لم تكن حرب فئة أو طائفة، وإنما كانت معركة وطن شارك فيها المصريون بمختلف انتماءاتهم.
ومن هنا يمكن النظر إلى الفترة الممتدة من البابا كيرلس السادس إلى البابا شنودة الثالث باعتبارها فصلًا واحدًا متصلًا من فصول الوطنية المصرية: ففي عهد البابا كيرلس السادس كانت مرحلة الصمود بعد هزيمة 1967، والدعوة إلى الوحدة، ودعم الدولة والجيش وإعادة الثقة؛ وفي عهد البابا شنودة الثالث جاءت لحظة العبور، فانتقلت الكنيسة من مساندة مرحلة الاستعداد إلى المشاركة الفعلية في دعم المجهود الحربي ورعاية الجرحى ومساندة الجنود.
وهكذا سجل الأقباط في حرب أكتوبر صفحة من تاريخهم الوطني لم تُكتب باعتبارهم جماعة منفصلة عن بقية الشعب، وإنما باعتبارهم مصريين حملوا السلاح، واستشهدوا، وخدموا وطنهم، وشاركوا إخوتهم المسلمين في صنع واحدة من أهم لحظات التاريخ المصري الحديث. وكان علم مصر الذي ارتفع على الضفة الشرقية للقناة هو الرمز الجامع للجميع؛ فلم يكن النصر نصر مسلم دون مسيحي أو مسيحي دون مسلم، بل كان نصر مصر بأبنائها جميعًا.





