هاني صبري - المحامي
تشهد فرنسا في هذه الفترة موجة من الاحتجاجات والاضطرابات التي تكشف عن حالة من التوتر المتراكم داخل المجتمع الفرنسي، وهي حالة لا يمكن اختزالها في سبب واحد أو في فئة واحدة من المواطنين. فالمشهد الحالي يجمع بين احتجاجات طلاب المدارس الثانوية بسبب أوضاع التعليم، وتحركات للموظفين والنقابات بسبب القدرة الشرائية والسياسات المالية، واحتجاجات أخرى مرتبطة بالسياسة الأمنية والحريات. ولذلك فإن فهم ما يحدث في فرنسا يحتاج إلى النظر إلى الصورة كاملة، بعيدًا عن التفسير الذي يحمّل طرفًا واحدًا المسؤولية عن كل ما يجري.
في الأسابيع الأخيرة، بدأت الاحتجاجات الطلابية بصورة أساسية حول أوضاع المدارس الثانوية، ونقص المدرسين والموظفين، واكتظاظ الفصول، وسوء حالة بعض المباني، وارتفاع درجات الحرارة داخل بعض المدارس، إضافة إلى شكاوى من طول اليوم الدراسي ونقص الموارد. وقد توسعت الحركة من منطقة باريس إلى مدن مختلفة في أنحاء البلاد. وبحسب وزارة التعليم الفرنسية، تأثرت أكثر من ألف مدرسة في إحدى مراحل التصعيد الأخيرة، بينما شهدت مئات المدارس اضطرابات أو إغلاقًا جزئيًا. كما دخلت النقابات العمالية والموظفون العموميون في تحركات احتجاجية منفصلة، من بينها احتجاجات على تراجع القوة الشرائية وتجميد أجور القطاع العام.
وهنا يجب التفريق بوضوح بين المطلب المشروع وأسلوب التعبير عنه. فمن حق الطلاب والمعلمين والموظفين أن يطالبوا بتحسين التعليم والأجور والخدمات العامة، ومن حق المواطنين في دولة ديمقراطية أن يعترضوا على سياسات الحكومة وأن يتظاهروا بصورة سلمية. لكن هذا الحق لا يعني إعطاء شرعية لإحراق الممتلكات أو الاعتداء على الشرطة أو المعلمين أو الصحفيين أو المواطنين أو تعطيل المؤسسات العامة بالقوة. وقد شهدت الاحتجاجات الأخيرة بالفعل حوادث عنف وحرائق وإلقاء مقذوفات واشتباكات مع قوات الأمن، الأمر الذي أدى إلى إصابات واعتقالات واسعة.
وفي الثالث من أكتوبر 2026، أعلن مسؤول الشرطة في باريس أن حركة الاحتجاج الطلابية أصبحت خارجة عن السيطرة، داعيًا إلى العودة إلى أشكال الاحتجاج السلمي.
من يقف وراء الاحتجاجات؟
من المهم هنا عدم الوقوع في تبسيط مخل. فالاحتجاجات الحالية ليست، بحسب ما يظهر من الوقائع، حركة واحدة ذات قيادة واحدة أو برنامج سياسي موحد. هناك اتحادات طلابية تدعو إلى التحرك، ونقابات عمالية لها مطالبها الخاصة، وأحزاب سياسية تحاول التواصل مع الحركات الاحتجاجية أو الاستفادة من الزخم الشعبي، إلى جانب مواطنين يشاركون بصورة مستقلة.
وقد ظهرت بصورة واضحة مشاركة قوى من اليسار الفرنسي في بعض التحركات، ومنها حزب “فرنسا الأبية” وقوى شيوعية وخضراء، في الوقت الذي تحاول فيه النقابات والاتحادات الطلابية الحفاظ على استقلال حركاتها وعدم تحويلها بالكامل إلى أدوات حزبية. كما اتهمت الحكومة بعض القوى السياسية بمحاولة استغلال الاحتجاجات، بينما رفضت تلك القوى هذا التوصيف واتهمت الحكومة بدورها بالتعامل المفرط مع المحتجين. ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الاتهامات باعتبارها مواقف سياسية متعارضة، لا باعتبارها حقيقة محسومة من طرف واحد.
وفي الوقت نفسه، حذرت السلطات من أن بعض الجماعات الأكثر راديكالية قد تحاول استغلال الاحتجاجات السلمية وإخراجها عن مسارها، وهو احتمال يزداد خطره عندما تتجمع أعداد كبيرة من الشباب في الشوارع وتحدث مواجهات مع الشرطة. وهذا لا يعني أن جميع المحتجين ينتمون إلى تلك الجماعات؛ بل يعني أن أي حركة احتجاجية واسعة يمكن أن تصبح عرضة للتأثير من أطراف لا تمثل بالضرورة أصحاب المطالب الأصلية.
الأزمة أعمق من المدارس
رغم أن الاحتجاجات الطلابية الحالية أعطت الأزمة وجهًا جديدًا، فإن جذور التوتر الاجتماعي في فرنسا أوسع من قضية التعليم. ففرنسا تواجه منذ سنوات نقاشات صعبة حول حجم الإنفاق العام، والعجز المالي، والضرائب، والقوة الشرائية، وإصلاح نظام التقاعد، ومستقبل الخدمات العامة، والهجرة، والأمن، وعلاقة المواطن بالدولة.
وكانت الحكومة قد تبنت في السنوات الأخيرة سياسات تهدف إلى السيطرة على العجز المالي، وهو ما يفرض بدوره ضغوطًا على الإنفاق العام. وقد أكد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أن خفض العجز يمثل هدفًا أساسيًا للاستقرار المالي، في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة اعتراضات من قطاعات اجتماعية مختلفة. كما سبق للحكومة أن اتجهت إلى تعليق أجزاء من إصلاح التقاعد حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة تعويض التكلفة من خلال وفورات أخرى.
ومن هنا يمكن فهم جانب من المشكلة: المواطن يريد خدمات عامة أفضل، وأجورًا أفضل، ومدارس أفضل، وأمنًا أفضل، وفي الوقت نفسه لا يريد زيادة الضرائب أو تفاقم الدين والعجز. أما الدولة فتجد نفسها مطالبة بتحقيق هذه الأهداف المتعارضة في ظل موارد مالية محدودة. ولذلك فإن جزءًا من الأزمة الفرنسية هو في الحقيقة أزمة توقعات مقابل إمكانات الدولة.
الأمن والشرطة عامل آخر في المشهد
ولا تقتصر الاحتجاجات الفرنسية على التعليم والاقتصاد. ففي سبتمبر 2026 خرجت مظاهرات أيضًا اعتراضًا على مشروع قانون يتعلق بصلاحيات وحماية أفراد الشرطة والدرك عند استخدام الأسلحة أثناء أداء واجباتهم. ويرى مؤيدو المشروع أنه ضروري لحماية قوات الأمن في ظروف خطرة، بينما يخشى منتقدوه من أن يؤدي إلى تقليص المساءلة عن استخدام القوة، خصوصًا في المناطق التي توجد فيها توترات اجتماعية قوية.
وهذا يعكس مشكلة أوسع في المجتمعات الديمقراطية: الدولة تحتاج إلى شرطة قادرة على حماية المواطنين وفرض القانون، لكن المواطنين يحتاجون في الوقت نفسه إلى ضمانات تمنع إساءة استخدام السلطة. وبالتالي فإن الحل المستدام لا يكون بإضعاف الشرطة ولا بإعطائها سلطة بلا رقابة، وإنما بإيجاد توازن واضح بين قوة القانون ومساءلة من يطبق القانون.
والتساؤل الذي نفيه هنا ماذا عن الهوية الفرنسية؟
من بين القضايا التي تستحق نقاشًا جادًا في الأزمة الفرنسية قضية الهوية الوطنية. فرنسا ليست مجرد اقتصاد أو مؤسسات حكومية؛ إنها دولة ذات تاريخ طويل، وثقافة ولغة وقيم جمهورية واضحة، وفي مقدمتها مبادئ الجمهورية الفرنسية: الحرية والمساواة والأخوة، إلى جانب سيادة القانون والعلمانية والمواطنة الجمهورية.
ومن هذا المنطلق، فإن التمسك بالهوية الفرنسية لا ينبغي أن يعني رفض المواطنين من أصول مختلفة، ولا التمييز ضد المهاجرين أو الأقليات، وإنما يمكن أن يعني التأكيد على وجود هوية وطنية مشتركة وقواعد مشتركة يجب أن يلتقي حولها جميع المواطنين والمقيمين.
فالدولة لا تستطيع أن تحافظ على تماسكها إذا أصبح المجتمع مجرد مجموعات متنافسة، لكل مجموعة قوانينها الاجتماعية الخاصة ورؤيتها المنفصلة للدولة. وفي المقابل، لا تستطيع الدولة أن تطلب من مواطنيها الالتزام بالهوية الوطنية إذا شعر جزء منهم أنهم مستبعدون اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو لا يحصلون على فرص عادلة.
لذلك فإن الدفاع عن الهوية الفرنسية يمكن أن يكون جزءًا من الحل إذا كان المقصود به تعزيز المواطنة والانتماء إلى الجمهورية واحترام القانون واللغة والمؤسسات والقيم المشتركة.
فرنسا تحتاج إلى الاندماج، لا إلى الانقسام؛ وإلى مواطنة مشتركة، لا إلى جزر اجتماعية منفصلة؛ وإلى احترام التنوع داخل إطار وطني جامع، لا إلى صراع دائم حول من يملك تعريف فرنسا.
ما السيناريوهات المحتملة؟
لا يمكن الجزم مسبقًا بما ستؤول إليه الأحداث، لكن يمكن تصور عدة مسارات.
السيناريو الأول: الاحتواء والحوار.
وهو أن تستجيب الحكومة لجزء من المطالب، خصوصًا في مجال التعليم، من خلال زيادة سرعة تعويض المدرسين الغائبين، وتحسين ظروف المدارس، ومعالجة بعض مشكلات البنية التحتية، مع فتح حوار حقيقي مع الطلاب والمعلمين والنقابات. وقد أعلنت وزارة التعليم بالفعل عن خطة لتسريع استبدال المدرسين الغائبين، كما بدأت اتصالات مع ممثلي الطلاب.
السيناريو الثاني: استمرار الاحتجاجات بصورة سلمية.
قد تتحول الحركة إلى ضغط سياسي واجتماعي طويل الأمد، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة. وفي هذه الحالة يمكن أن تستمر المظاهرات والإضرابات، لكن داخل الإطار الديمقراطي والقانوني.
السيناريو الثالث: اتساع الاحتجاجات وتحولها إلى حركة اجتماعية أوسع.
إذا التقت المطالب الطلابية مع مطالب الموظفين والنقابات وارتفاع تكاليف المعيشة والاعتراضات السياسية الأخرى، فقد يصبح من الصعب على الحكومة التعامل مع كل ملف بصورة منفصلة.
السيناريو الرابع: تصاعد العنف.
وهذا هو السيناريو الأكثر خطورة على المجتمع والدولة. فإذا استمرت الحرائق والاعتداءات والتخريب، فمن المتوقع أن تشدد السلطات الإجراءات الأمنية، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى مزيد من الاحتكاك مع المتظاهرين. وقد شهدت الأحداث الحالية بالفعل إصابات في صفوف الشرطة والمحتجين والعاملين في المدارس، فضلًا عن أضرار مادية كبيرة.
السيناريو الخامس: انتقال الأزمة إلى المجال الانتخابي.
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027، من المرجح أن تحاول الأحزاب المختلفة تفسير الاحتجاجات وتقديم حلولها الخاصة لها. وهنا قد تصبح القضايا الاجتماعية والأمنية والهوية الوطنية والهجرة والخدمات العامة جزءًا أكبر من المنافسة السياسية. لكن من الصعب معرفة مسبقًا كيف ستترجم الاحتجاجات إلى نتائج انتخابية.
ما الحل؟
الحل لا يمكن أن يكون أمنيًا فقط، كما لا يمكن أن يكون ماليًا فقط أو سياسيًا فقط. فرنسا تحتاج إلى حزمة متوازنة من الإجراءات.
أولًا، يجب الاستماع إلى المطالب المشروعة للطلاب والمعلمين والموظفين، خصوصًا فيما يتعلق بالتعليم والخدمات العامة. فالاحتجاج الذي يبدأ بسبب مشكلة حقيقية لا يختفي بمجرد إرسال الشرطة إلى الشوارع.
ثانيًا، يجب أن يكون هناك خط أحمر واضح أمام العنف والتخريب. فالديمقراطية تحمي حق المواطن في الاحتجاج، لكنها تحمي أيضًا حق المواطن الآخر في الذهاب إلى المدرسة والعمل والعيش بأمان، وتحمي الممتلكات العامة والخاصة. ولذلك يجب تطبيق القانون بصورة حازمة ولكن متناسبة، مع التحقيق في أي ادعاءات موثوقة بشأن إساءة استخدام القوة من جانب الشرطة.
ثالثًا، تحتاج فرنسا إلى معالجة جذور المشكلة المالية. فلا يمكن للدولة أن تعد الجميع بالمزيد من الإنفاق إلى ما لا نهاية دون أن تشرح بوضوح كيف سيتم تمويل ذلك. المطلوب هو تحسين كفاءة الإنفاق العام، ومحاربة الهدر، وتحسين الإنتاجية، وحماية الخدمات الأساسية، مع الحفاظ على استدامة المالية العامة.
رابعًا، تحتاج فرنسا إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فالمشكلة ليست دائمًا في القرار الحكومي نفسه، وإنما في شعور المواطن أحيانًا بأن القرارات تُتخذ بعيدًا عنه. الحوار البرلماني والاجتماعي الحقيقي يمكن أن يقلل من هذا الشعور، خصوصًا أن الحكومة نفسها أعلنت التخلي عن استخدام المادة 49.3 في إطار توجهها نحو إعطاء البرلمان مساحة أكبر للنقاش والتصويت.
خامسًا، وربما الأهم على المدى الطويل، تحتاج فرنسا إلى تعزيز مفهوم الهوية الوطنية
كلمة أخيرة إن ما يحدث في فرنسا يجب ألا يُنظر إليه فقط باعتباره مشكلة مظاهرات في الشوارع، وإنما باعتباره اختبارًا لقدرة الجمهورية الفرنسية على تحقيق التوازن بين الحرية والنظام، والعدالة الاجتماعية والاستقرار المالي، وحقوق الفرد ومصلحة المجتمع، والتنوع والهوية الوطنية، وقوة الدولة وسيادة القانون.
ومن حق الفرنسيين أن يطالبوا بمدارس أفضل، وخدمات عامة أفضل، وأجور عادلة، وأمن يحميهم، وحكومة تستمع إليهم. وفي المقابل، من حق المجتمع الفرنسي كله أن يرفض تحويل المطالب المشروعة إلى عنف أو تخريب أو اعتداء على الآخرين.
والتمسك بالهوية الفرنسية يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من تجاوز الأزمة، إذا كانت هذه الهوية تعني الجمهورية الجامعة لجميع مواطنيها، واحترام القانون، واللغة الفرنسية، والمؤسسات، والمساواة أمام القانون، والانتماء إلى وطن واحد مهما اختلفت الخلفيات.
فرنسا اليوم بحاجة إلى الهدوء أكثر من حاجتها إلى المزيد من الاستقطاب، وإلى الحوار أكثر من حاجتها إلى المواجهة، وإلى إصلاح حقيقي يعالج أسباب الغضب دون أن يسمح بتحويل الشوارع إلى ساحة للفوضى. كما أن على القوى السياسية، سواء في الحكومة أو المعارضة، أن تتعامل مع غضب المواطنين بمسؤولية، وألا يتحول الألم الاجتماعي إلى وقود دائم للصراع السياسي.
ويبقى الأمل أن تستطيع فرنسا، بتاريخها العريق ومؤسساتها الجمهورية، تجاوز هذه المرحلة الصعبة، وأن يجد المواطنون والدولة طريقًا يجمع بين الإصلاح والاستقرار، وبين الحقوق والواجبات، وبين التنوع والهوية الوطنية المشتركة.
نسأل الله أن يعبر الشعب الفرنسي هذه الأزمة بسلام، وأن يحفظ فرنسا وشعبها من كل سوء، وأن يسود فيها الأمن والاستقرار، وأن ينتصر صوت العقل والحوار والقانون على العنف والفوضى والتخريب.





