هاني صبري - المحامي

تابع كثيرون خلال الأيام الماضية الفيديو المتداول لأحد الأساقفة ، أثناء احتفالات عيد الصليب، حيث قام نيافته بإشعال النار في مجسم على شكل صليب وسط أبنائه من الكشافة.

وقبل كل شيء، من المهم أن نؤكد أن هذا المقال ليس إدانة لشخصه، ولا تشكيكًا في إيمانه أو محبته للصليب، ولا حكمًا على نيته. فنحن نؤمن أن النيات لا يعلمها إلا الله، ونحترم مقام الأسقف وخدمته وتعبه من أجل الكنيسة وأبنائها.

لكن احترامنا للآباء لا يعني أن نتوقف عن مناقشة الممارسات الكنسية من منظور الكتاب المقدس والتقليد الكنسي. بل إن المحبة الحقيقية للكنيسة تقتضي أن نسأل بهدوء: هل التعبير المستخدم ينسجم مع إيماننا الكتابي ورموزنا وتقاليدنا القبطية؟ وهل يمكن أن يؤدي، رغم حسن النية، إلى معنى يتعارض مع ما تعلمناه عن الصليب؟

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراض هنا ليس على شخص، وإنما على الممارسة ذاتها ورمزيتها وطريقة ظهورها أمام الشعب.

أولًا: الصليب في المسيحية ليس رمزًا عابرًا يمكن التعامل معه بأي صورة
الصليب في المسيحية ليس مجرد شكل هندسي مكوّن من خطين متقاطعين، وإنما هو العلامة التي ارتبطت في إيماننا بعمل المسيح الخلاصي.
فالرسول بولس يقول: «حَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (غلاطية 6: 14)
ويقول أيضًا: «فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ» (1 كورنثوس 1: 18)

ويعلن الرسول أن المسيح:
«وَهُوَ قَدْ صَالَحَ الْكُلَّ فِي جَسَدِهِ بِوَاسِطَتِهِ، بِالصَّلِيبِ، عَامِلًا الصُّلْحَ» (كولوسي 1: 20)
بل إن الكتاب المقدس يربط الصليب مباشرة بإبطال سلطان الخطية والموت، إذ يقول: «إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا… وَقَدْ نَزَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ» (كولوسي 2: 14)
ويقول: «إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلَاطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا، ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ»(كولوسي 2: 15)
لذلك، عندما ترى الكنيسة الصليب، فإنها لا ترى مجرد خشب أو معدن أو شكل هندسي؛ بل تتذكر ذبيحة المسيح، ومحبته، وانتصاره، وخلاص الإنسان، وغلبة الموت بالحياة.
الرسول بولس يعلن افتخاره بالصليب، فإن تعاملنا مع رمزه ينبغي أن يكون متوافقًا مع هذه النظرة: إكرام، واعتزاز، وإعلان للإيمان، وليس فعلًا يمكن أن يُفهم على أنه إتلاف أو إحراق للصليب.

ثانيًا: لماذا تحرص الكنيسة على إكرام الصليب؟
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لا تتعامل مع الصليب باعتباره مجرد زينة كنسية.
نحن نضع الصليب فوق الكنائس، وعلى المذابح، وفي أيدي الكهنة، ونرسمه على أنفسنا، ونكرمه في الصلوات، ونحتفل بعيد الصليب، ونقبّل الصليب باحترام وإيمان.
وليس معنى ذلك أننا نعبد الخشب أو المعدن.
فالعبادة لله وحده. لكن الكنيسة تكرم العلامة المقدسة التي تشير إلى عمل المسيح الخلاصي، كما أن تكريم الكتاب المقدس لا يعني عبادة الورق والحبر، وإنما تكريم كلمة الله التي يشهد لها الكتاب.
ولهذا فإن طريقة تعاملنا مع الرمز مهمة جدًا؛ لأن الرمز الكنسي لا ينفصل عن المعنى الذي يحمله.

ثالثًا: الكتاب المقدس يعلّمنا أن «المظهر» نفسه قد يكون له تأثير روحي وتعليمي
قد يقول البعض: «لكن المقصود لم يكن إحراق الصليب، بل إشعال النار تحته أو حوله، كرمز للنور والانتصار».
وهنا يجب أن نفرق بين النية وبين الرمز الذي يصل إلى المشاهد.
فالنية قد تكون صالحة، لكن ليس كل تعبير مناسبًا لمجرد أن صاحبه يقصد به خيرًا.
والرسول بولس يضع أمامنا مبدأ مهمًا جدًا عندما يقول: «غَيْرَ مُطْلِقِينَ عَثْرَةً فِي شَيْءٍ لِئَلَّا تُلَامَ الْخِدْمَةُ»(2 كورنثوس 6: 3)
ويقول: «فَلَا تَكُونُوا سَبَبَ عَثْرَةٍ لِلْيَهُودِ أَوْ لِلْيُونَانِيِّينَ أَوْ لِكَنِيسَةِ اللهِ»(1 كورنثوس 10: 32)
كما يقول: «فَإِنْ كَانَ أَخِي يَعْثُرُ بِسَبَبِ طَعَامِي، فَلَنْ آكُلَ لَحْمًا إِلَى الأَبَدِ، لِئَلَّا أُعَثِّرَ أَخِي» (1 كورنثوس 8: 13)
المبدأ واضح: ليس كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله إذا كان من الممكن أن يحمل معنى خاطئًا أو يسبب عثرة.
والكنيسة، خصوصًا عندما يتصرف أحد آبائها أمام الأطفال والشباب والكشافة، تتحمل مسؤولية تعليمية كبيرة؛ لأن هؤلاء لا يرون النية الداخلية، وإنما يرون الفعل ويتعلمون منه.

رابعًا: هل إحراق مجسم الصليب له أساس في الكتاب المقدس؟
ينبغي أن نكون دقيقين جدًا هنا.
لا توجد في الكتاب المقدس ممارسة أو طقس يأمر المسيحيين بإشعال النار في مجسم على شكل الصليب أو إحراق الصليب كجزء من الاحتفال بعيد الصليب.
والكتاب المقدس عندما يتحدث عن الصليب، يتحدث عنه باعتباره موضع فداء المسيح وانتصاره.
بل يقول: «مِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ تَأَلَّمَ لِأَجْلِنَا فِي الْجَسَدِ، فَتَسَلَّحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهَذِهِ النِّيَّةِ» (1 بطرس 4: 1)
ويعلن: «الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ»(1 بطرس 2: 24)
فإذا أردنا أن نحتفل بالصليب كتابيًا، فلدينا كنوز لا تنتهي من المعاني الكتابية: الصليب هو الحب، والفداء، والغلبة، والمصالحة، وموت الإنسان العتيق، وقيامة الإنسان الجديد، والانتصار على الموت.
أما تحويل الصليب نفسه إلى مجسم يتم إشعاله بالنار، فليس له سند كتابي يمكن تقديمه باعتباره ممارسة مسيحية كتابية.
وهذه نقطة ينبغي أن تُقال بوضوح، ولكن دون تجريح.

خامسًا: الفرق بين «النور» و«إحراق الصليب»
قد يكون المقصود من النار في هذا التقليد الشعبي التعبير عن النور والانتصار.
لكن السؤال الكنسي ليس فقط: ماذا قصدنا؟
بل أيضًا: ماذا يرى الناس؟ وماذا يتعلم الأطفال؟ وما الرسالة التي يحملها الشكل؟
هناك فرق كبير بين أن نشعل شموعًا أمام الصليب، أو أن نحمل الصليب في موكب مضيء، أو أن نضع أنوارًا حول الصليب احتفالًا به، وبين أن يكون أمام الناس مجسم صليب تلتهمه النار.
في الحالة الأولى، النار أو النور يخدمان رمز الصليب.
أما في الحالة الثانية، فيمكن بسهولة أن يفهم المشهد على أنه حرق للصليب نفسه.
وهنا يصبح الاعتراض مفهومًا حتى لو كانت النية مختلفة تمامًا.
والكنيسة الحكيمة لا تنتظر أن يشرح الناس النية بعد مشاهدة الصورة؛ بل تختار من البداية رمزًا واضحًا لا يفتح بابًا للالتباس أو العثرة.

سادسًا: تقليد الشعوب محترم، لكن ليس كل تقليد شعبي يصلح أن يصبح ممارسة كنسية
من المهم هنا أن نكون منصفين. لا ينبغي لنا أن نسخر من التراث الإثيوبي أو نحتقره.
فالكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية كنيسة شقيقة عريقة، وبينها وبين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تاريخ طويل وعلاقات كنسية وروحية عميقة.
والاحتفال الإثيوبي المعروف باسم مسكل له جذور عميقة في الثقافة والتراث الإثيوبي، ومن مظاهره الشعبية إشعال الـ Damera، وهي كومة كبيرة من الأخشاب والنباتات تُشعل في الاحتفال.
لكن احترام تقليد كنسي أو شعبي في بلد آخر لا يعني بالضرورة أنه ينبغي نقله كما هو إلى ممارسة كنسية قبطية.
فالكنائس لها تقاليدها وطقوسها وتعبيراتها التاريخية.
والسؤال ليس: هل التقليد الإثيوبي جميل أم غير جميل؟
بل السؤال: هل هو جزء من تقليدنا القبطي الأرثوذكسي؟ وهل ينسجم مع الطريقة التي تعبر بها كنيستنا عن إكرام الصليب؟
وهذا فرق جوهري.

سابعًا: الكنيسة القبطية ليست في حاجة إلى استعارة طريقة أخرى للاحتفال بالصليب
لدينا في كنيستنا تراث غني جدًا في إكرام الصليب.
لدينا ألحان الصليب، وصلوات الصليب، وأعياد الصليب، وصلوات السجدة، ورشم الصليب، وحمل الصليب، وتقبيل الصليب، والألحان التي تعلن الانتصار بالمسيح.
والكنيسة تقول في تسابيحها وألحانها معاني واضحة عن الصليب باعتباره موضع الخلاص والغلبة.
فلماذا نحتاج إلى استيراد صورة احتفالية قد تحمل معنى مختلفًا أو ملتبسًا؟
إن قوة الكنيسة ليست في استيراد الرموز من ثقافات أخرى، وإنما في اكتشاف غنى تراثها الكتابي والآبائي والطقسي الخاص.

ثامنًا: الصليب في الكنيسة القبطية هو موضع الفخر وليس موضع الإحراق
يقول الرسول بولس : «حَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوع لْمَسِيحِ»
(غلاطية 6: 14) وهذا التعبير شديد القوة. الصليب موضع فخرنا.
والكنيسة القبطية عاشت قرونًا طويلة وهي تحمل الصليب، وتضعه على الكنائس، وترسمه على أيدي أبنائها، وتحمله في الصلوات والاحتفالات.
بل إن تاريخ الأقباط نفسه ارتبط بالصليب ارتباطًا وثيقًا.
لذلك فإن الصورة التي يحتاجها أبناؤنا ليست صورة صليب تحترق أخشابه، وإنما صورة صليب نفتخر به، ونحمله، ونقبله، ونعلن من خلاله إيماننا بالمسيح المصلوب والقائم.

تاسعًا: الصليب لا يحتاج إلى الدفاع عنه بالنار؛ لأن قوته في المسيح
أحيانًا قد نرغب في استخدام النار للدلالة على القوة أو النور أو الانتصار.
لكن قوة الصليب لا تأتي من النار.
قوة الصليب تأتي من المسيح الذي صُلب عليه.
ولهذا يقول الرسول: «فَإِنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كَانَ قَدْ مَاتَ مَرَّةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا…» (1 بطرس 3: 18)
ويقول: «وَأَنَا لَمَّا جِئْتُ إِلَيْكُمْ… لَمْ آتِ بِسُمُوِّ الْكَلَامِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ، لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إِلَّا يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا» (1 كورنثوس 2: 1-2)
فالكنيسة لا تحتاج إلى إضافة رموز غريبة لكي تجعل الصليب قويًا.
الصليب قوي لأنه صليب المسيح.

عاشرًا: مسؤولية الكنيسة أمام الأطفال والشباب أكبر
المشهد لم يكن في مكان خاص أو ممارسة شخصية، وإنما كان وسط أبناء الكنيسة والكشافة.
وهنا تزداد أهمية الموضوع.
فالطفل والشاب قد لا يعرف خلفية التقليد الإثيوبي، ولا يعرف الفرق بين رمز النار ورمز الصليب، ولا يستطيع أن يميز بين ممارسة ثقافية وممارسة ليتورجية.
وقد يخرج ببساطة بانطباع: «في الكنيسة يمكن أن نحرق الصليب.»
وهذا بالضبط هو النوع من الالتباس الذي ينبغي أن نتجنبه.
والرسول بولس يقول: «كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ» (1 كورنثوس 11: 1)
فالقيادة الكنسية لا تعلّم فقط بالكلمات، وإنما أيضًا بما تفعله أمام الشعب.

الحادي عشر: هل كل ممارسة غير ليتورجية ممنوعة؟
ليس بالضرورة.
وهنا أيضًا ينبغي أن نكون موضوعيين.
فالكنيسة تعرف وجود ممارسات اجتماعية وشعبية كثيرة ليست جزءًا من القداس أو الأسرار أو الصلوات الطقسية الرسمية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الممارسة:
1- مرتبطة مباشرة برمز مقدس؛
2- تُقام في مناسبة كنسية؛
3- أمام أبناء الكنيسة؛
4- ويكون معناها الظاهري قابلًا لأن يتعارض مع إكرام الرمز؛
5- ولا يوجد لها أساس واضح في الكتاب المقدس أو التقليد القبطي.
في هذه الحالة يصبح من الحكمة الكنسية مراجعتها.
والحكمة لا تعني أن نقول إن كل من مارسها مهرطق أو مخطئ في إيمانه.
بل تعني ببساطة: كان يمكن اختيار تعبير آخر أكثر وضوحًا وأمانًا وملاءمة لتقليد كنيستنا.

الثاني عشر: حتى لو كان هناك تقليد شعبي، فليس كل تقليد ملزمًا للكنيسة
الكتاب المقدس نفسه يحذر من تحويل تقاليد البشر إلى بديل عن وصية الله: «تَارِكِينَ وَصِيَّةَ اللهِ وَمُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ» (مرقس 7: 8)
وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أن المسيحية ترفض كل تقليد.
فالرسول يقول: «فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا مِنَّا، سَوَاءً كَانَ بِالْكَلَامِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا» (2 تسالونيكي 2: 15)
إذن هناك فرق بين التقليد الرسولي والكنسي وبين العادات الشعبية والثقافية.
وهذا الفرق مهم جدًا في حالتنا.

الثالث عشر: مبدأ «عدم العثرة» أهم من الدفاع عن أي تقليد مستحدث
لو كان لدينا خياران:
الأول: ممارسة قد تكون نيتها حسنة، لكنها يمكن أن تُفهم كإهانة للصليب.
والثاني: ممارسة واضحة لا تحتمل هذا الفهم، وتعلن فرحنا بالصليب وإكرامنا له.
فأي الخيارين أكثر حكمة؟
بلا شك، الخيار الثاني.
فالرسول بولس يضع مبدأ رائعًا: «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوَافِقُ»
(1 كورنثوس 6: 12)
وهذه قاعدة ممتازة في الخدمة الكنسية:
ليس السؤال فقط: هل أستطيع أن أفعل هذا؟
بل: هل يليق أن أفعله؟ وهل يبني؟ وهل يوضح الإيمان؟ وهل يحفظ قدسية الرمز؟ وهل يمكن أن يعثر أحدًا؟

الرابع عشر: ماذا يمكن أن تفعل الكنيسة بدلًا من ذلك؟
إذا كان الهدف هو التعبير عن نور الصليب وفرحه وانتصاره، فهناك طرق كثيرة أكثر وضوحًا وانسجامًا مع إيماننا.
يمكن مثلًا:
حمل الصليب في موكب احتفالي. وإضاءة الشموع حول الصليب. واستخدام أنوار ترمز إلى نور المسيح. وترديد ألحان وتسابيح الصليب.
شرح معنى الصليب للأطفال والشباب. وتقديم عظات عن محبة المسيح على الصليب.
قراءة نصوص الكتاب المقدس الخاصة بالصليب.
إقامة احتفال روحي يعلن انتصار الصليب.
تكريم الصليب وتقبيله باحترام، كما جرت ممارسة الكنيسة.
تعليم الأطفال أن الصليب ليس رمزًا للموت فقط، بل علامة الخلاص والقيامة والانتصار.
بهذه الطريقة يصبح الاحتفال بالصليب تعليميًا وروحيًا وكتابيًا، وليس مجرد مشهد بصري قد يسبب الالتباس.

الخامس عشر: ماذا نتعلم من موقف الكنيسة القبطية عبر تاريخها؟
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عاشت قرونًا تحت ظروف صعبة، وحافظت على هويتها وصلواتها وألحانها ورموزها.
والصليب بالنسبة إلى القبطي ليس شيئًا مستوردًا من ثقافة أخرى.
الصليب موجود في قلب الحياة القبطية.هو على الكنيسة.وفي الكنيسة. وفي يد الكاهن.وعلى صدور المؤمنين.وفي صلواتهم.وفي ألحانهم. وفي تاريخ شهدائهم. وفي وجدانهم.
ولهذا فإن المحافظة على طريقة إكرام الصليب ليست تعصبًا ثقافيًا، وإنما هي جزء من المحافظة على هوية الكنيسة وذاكرتها الروحية.

السادس عشر: لسنا ضد إثيوبيا، ولسنا ضد أي كنيسة شقيقة
ومن المهم جدًا التأكيد على هذه النقطة حتى لا يتحول النقاش إلى إساءة لشعب أو كنيسة.
نحن نقدر الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية ونحترم تراثها وتاريخها.
وما يليق بالكنيسة الإثيوبية في سياقها الثقافي والتاريخي قد يكون تعبيرًا مفهومًا داخل مجتمعها.
لكن الكنيسة القبطية لها تاريخها وطقسها ورموزها.
الوحدة المسيحية لا تعني إلغاء خصوصية التقاليد الكنسية.
والمحبة بين الكنائس لا تعني أن تنقل كل كنيسة كل ممارسة شعبية من الأخرى.
يمكننا أن نحب إخوتنا الإثيوبيين، ونحترم احتفالهم، وفي الوقت نفسه نقول: هذه ليست الطريقة التي اعتادت كنيستنا القبطية أن تعبر بها عن إكرام الصليب.
وهذا موقف متزن وليس موقفًا عدائيًا.

السابع عشر: الصليب الذي نفتخر به لا نحرقه
ربما يمكن تلخيص القضية كلها في جملة واحدة:
نحن لا نحتاج إلى إحراق صورة الصليب لكي نعلن انتصار الصليب.
نحن نعلن انتصار الصليب عندما نحمل الصليب.
نعلنه عندما نرسم الصليب.
نعلنه عندما نقبّل الصليب بإكرام.
نعلنه عندما نعيش حياة الصليب.
نعلنه عندما نغفر.
نعلنه عندما نحب أعداءنا.
نعلنه عندما نموت عن الخطية ونحيا للمسيح.
نعلنه عندما نقول مع بولس: «مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لا أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ»
(غلاطية 2: 20)

هذه هي قوة الصليب الحقيقية.
ليست في النار التي تلتهم خشبه، وإنما في المسيح الذي بذل نفسه عليه، ثم قام منتصرًا على الموت.
ونحن نكتب لأننا نرى أن الصليب أغلى من أن نسمح بأي تعبير قد يسيء فهمه.
لأن أبناء الكنيسة، خصوصًا الأطفال والشباب، يحتاجون إلى تعليم واضح عن معنى الصليب.
ولأن الكنيسة القبطية غنية جدًا بتراثها، ولا تحتاج إلى استعارة تعبيرات ثقافية من خارج تقليدها لكي تعبر عن فرحها بالصليب.
ونرى، أن إشعال النار في مجسم على شكل صليب ليس ممارسة كتابية، وليس من التعبيرات الليتورجية المعروفة في التقليد القبطي الأرثوذكسي لإكرام الصليب، كما أن صورته أمام الأطفال والشباب يمكن أن تسبب التباسًا وعثرة غير مقصودة.

ومن ثم، فالأفضل كنسيًا وروحيًا أن نعود دائمًا إلى ما هو أوضح وأعمق وأكثر أصالة في إيماننا: أن نكرم الصليب، لا أن نحرقه.
أن نفتخر بالصليب، لا أن نجعله موضع التباس.
أن نحمل الصليب، لا أن نتعامل معه كجزء من مشهد احتفالي قابل لسوء الفهم.
أن نعلّم أبناءنا أن الصليب هو قوة الله للخلاص، لا مجرد مجسم احتفالي.
فكما قال الرسول بولس: «أَمَّا أَنَا فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلَّا بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ»
(غلاطية 6: 14)

وهذه هي الرسالة التي نريد أن تبقى في قلب كل قبطي في عيد الصليب:
نحن نفتخر بالصليب، لأننا نفتخر بالمسيح الذي صُلب من أجلنا.
الصليب عندنا ليس شيئًا نحرقه، بل إيمان نحمله، ومسيحًا نفتخر به، وخلاصًا نحيا فيه.