(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
من المعروف للجميع أنّ الـ4 من أكتوبر/تشرين الأوّل من كلّ عامٍ، يوافق عيدَ القدّيس فرنسيس الأسيزيّ (1181/1182-1226م). وهذا العام الجاريّ (2026م) هو عامٌ خاصّ بالنسبة لهذه المناسبة السنويّة، إذ إنّه يُحتفَل بمرور 800 عامٍ على نياحة هذا القدّيس المتجرّد والناسك (3 أكتوبر/تشرين الأوّل 1226م).
وعلى صعيدٍ آخر، قد ارتبط بعيد القدّيس فرنسيس الأسيزيّ إصدارُ وثائق حَبريّة من قِبل باباوات الكنيسة. ومضمونُ هذه الوثائق له مغزى عميق من حيث ارتباطه بحياة "فقير أسيز"، أو بأحد الجوانب التي ميّزت شخصيّته. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أذكر الإرشاد الرسوليّ «سبِّحوا الله» للبابا فرنسيس، والإرشاد الرسوليّ «لقد أحببتُك» للبابا لاوُن الرابع عشر.
أوّلًا: الإرشاد الرسوليّ «سبِّحوا الله»
في الـ4 من أكتوبر/تشرين الأوّل للعام 2023، أي في عيد القدّيس فرنسيس الأسيزي، أصدر المتنيّح البابا فرنسيس إرشاده الرسوليّ «سبِّحوا الله» حول الأزمة المناخيّة والاهتمام ببيتنا المشترك. وقد استوحى هذا الإرشادُ الرسوليّ عنوانَه ومحتواه من حياة القدّيس فرنسيس الأسيزيّ وأناشيده وأعماله. فقد أكّد قداسةُ البابا، في مستهلّ إرشاده الرسوليّ، على ما يلي:
«"سبِّحوا الله على جميع خلائقه". هذه هي الدّعوة التي كان يوجِّهُها القدّيس فرنسيس الأسيزي بحياته وأناشيده وأعماله. هكذا استعاد نشيد المزامير في الكتاب المقدّس، وأحيَا في نفسه مشاعر يسوع أمام مخلوقات أبيه: "اعتَبِروا بِزَنابقِ الحَقْلِ كيفَ تَنمو، فلا تَجهَدُ ولا تَغزِل. أَقولُ لَكُم إِنَّ سُلَيمانَ نَفْسَهُ في كُلِّ مَجدِه لم يَلبَسْ مِثلَ واحدةٍ مِنها" (متّى 6، 28-29). "أَما يُباعُ خَمسَةُ عَصافيرَ بِفَلسَيْن، ومَعَ ذٰلكَ فما مِنها واحِدٌ يَنساهُ الله" (لوقا 12، 6). كيف لا نشارك في حنان يسوع هذا أمام جميع الخلائق التي ترافقنا في مسيرة حياتنا؟» ("سبِّحوا الله"، بند 1).
ينقسم هذا الإرشادُ الرسوليّ بدوره إلى ستّة فصول صغيرة: 1. أزمة المناخ العالميّة (بنود 5-19)؛ 2. النّموذج التّكنوقراطيّ المتنامي (بنود 20-33)؛ 3. ضعف في السّياسة الدّوليّة (بنود 34-43)؛ 4. مؤتمرات حول المناخ: التّقدّم والإخفاقات (بنود 44-52)؛ 5. ما هو المتوقّع من مؤتمر الأطراف الثّامن والعشرين (COP28) في دبي؟ (بنود 53-60)؛ 6. الدّوافع الرّوحيّة (بنود 61-73).
لعلّ من ضِمْن البنود المهمّة في هذا الإرشادُ الرسوليّ، نجد تذكيرَ البابا فرنسيس للمؤمنين المسيحيّين وأَتْباع الديانات الأخرى بالدوافع الروحيّة الكامنة وراء القضيّة البيئيّة. فقال قداسة البابا: «لن أنفكّ عن تذكير المؤمنين الكاثوليك بالدّوافع التي تنبع من إيمانهم. وأشجّع الإخوة والأخوات في الدّيانات الأخرى أن يعملوا الشّيء نفسه، لأنّنا نعلَم أنّ الإيمان الحقيقيّ لا يمنح القوّة فقط في قلب الإنسان، بل يغيّر أيضًا الحياة بأكملها، ويغيّر الأهداف الشّخصيّة، وينير العلاقة مع الآخرين والرّوابط مع كلّ المخلوقات» ("سبِّحوا الله"، بند 61). «كان في وسع يسوع "أن يدعو الآخرين إلى الانتباه إلى جمال العالم، لأنّه كان هو نفسه على اتّصال دائم بالطّبيعة وكان ينتبه إليها بحنان وإعجاب. وعندما كان يسافر في كلّ زاوية في أرضه، كان يتوقّف ليتأمّل في الجمال الذي غرسه أبوه، وكان يدعو تلاميذه إلى أن يروا رسالة الله في الأشياء"» ("سبِّحوا الله"، بند 64).
وكذلك أكّد قداسةُ البابا على ما يلي: «في الوقت عينه، "لم تعد مخلوقات هذا العالم تبدو لنا مجرّد واقع طبيعيّ، لأنّ القائم من بين الأموات احتضنها بطريقة سرّيّة وهو يقودها نحو مصير الكمال. زهور الحقل نفسها والطّيور التي كان يتأمّل فيها باندهاش بعينيه البشريّة، إنّما هي ممتلئة الآن بحضوره المضيء". إذا "كان الكون يجد تطوّره في الله الذي يملأ كلّ شيء، فإنّنا نشاهد الرّوح في ورقة الشّجر، وفي الطّريق، وفي النّدى، وفي وجه الفقير". العالم يتغنّى بالحبّ اللامتناهي. وكيف لا نعتني به؟» ("سبِّحوا الله"، بند 65).
ثانيًا: الإرشاد الرسوليّ «لقد أحببتُك»
في اليوم عينه الذي تحتفل فيه الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ، مِن كلّ عامٍ، بعِيد القدّيس فرنسيس الأسيزيّ (4 أكتوبر/تشرين الأوّل لعام 2025م)، وَقَّعَ البابا لاوُن الرَّابع عشر أيضًا على وثيقته الحَبريّة أو إرشاده الرّسوليّ الأوّل بعنوان «لقد أَحبَبتُكَ» (رؤ 3: 9). ويتمحور هذا الإرشادُ الرّسوليّ الأوّل للبابا حول "محبّة الفقراء"، أو "المحبّة نحو الفقراء"، أو "اهتمام الكنيسة بالفقراء ومع الفقراء" (را. "لقد أَحبَبتُكَ"، بنود 1-3).
بوَجهٍ عامٍّ، إنّ محاور هذا الإرشاد الرّسوليّ هي الموضوعات التّالية، التي باتت بدورها عَناوين رئيسيّة في الدّراسات البِيبليّة (الكِتابيّة) والثِّيولوجيّة (عِلْم اللّاهوت) الحالية، وكانت أيضًا بمثابة نقاط محوريّة في حَبريّة البابا فرنسيس وتعاليمه، وكذلك عناصر مهمّة في مؤتمرات "مجلس أساقفة أمريكا اللّاتينيّة والكريبي": تعريف "الفقر" ومستوياته المتنوّعة (المادّيّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة، والتّربويّة، والرّوحيّة، والطَّوعيّة أو الاختياريّة)؛ يسوع النّاصريّ الفقير وعلاقته بالفقر والفقراء؛ الفقر الإنجيليّ؛ مبدأ "الاختيار التّفضيليّ للفقراء"؛ البُعد الإكليزيولوجيّ (الكَنسيّ) الجوهريّ المتعلّق بـ"كنيسةٍ فقيرةٍ من أجل الفقراء"؛ قضيّة الفقر والفقراء كمشكلةٍ روحيّة وثِيولوجيّة وكَنسيّة، بالإضافة إلى كونها قضيّةً إنسانيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة.
في مُنتصف الإرشاد الرّسوليّ، وفي القِسم الأطول منه أيضًا، يأتي الفصلُ الثّالث الذي يدور حول "كنيسةٍ للفقراء" (را. بنود 35-81)؛ إذ إنّه ينبغي على الكنيسة –على مثال ربّها ومؤسّسها ومعلّمها– أن تكون كنيسةً فقيرةً، وكنيسةَ الفقراء ومن أجل الفقراء ومع الفقراء. فيتعلّق الأمرُ، وفقًا للكاردينال "جاكومو ليركارو" (1891-1976)، في مُداخلته التّاريخيّة في الـ6 من ديسمبر/كانون الأوّل لعام 1962، أثناء انعقاد المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، بـ«سرّ الكنيسة أمّ الفقراء» (را. بند 84)؛ ووفقًا للبابا بولس السّادس، بـ«العلاقة الجوهريّة بين الكنيسة والفقراء» (را. بند 85).
ومِن جهةٍ أُخرى، علينا ألَّا ننسى أو نتناسى أنّ الفقراء لا يأخذون فحسب، وإنّما يعطون أيضًا؛ وهم فعَّالون حِيالنا ومعلّمون لنا. وبهذا المعنَى، الفقراءُ هُم أشخاصٌ فاعلةٌ (را. بنود 99-102). و«يمكن للفقراء أن يكونوا معلِّمِين صامتين لنا، فيعيدون كبريائنا وغطرستنا إلى تواضع سليم» (بند 108). وأخيرًا، وكنصائح وتطبيقاتٍ عمليّة لتحقيق وَصيّة السّيّد المسيح المتعلّقة بالمحبّة نحو الفقراء، يتناول البابا موضوعَ "الصَّدقة" مِن منظورٍ مسيحيّ (را. بنود 115-121)، إذ إنّها قد «صارت اليوم وكأنّها غير مقبولة، حتّى بين الكثير من المؤمنين» (بند 115).





