محمد نبيل المصري
لم تعد قضية البيئة منفصلة عن حياتنا اليومية أو عن الطريقة التي نختار بها طعامنا. فمصطلحات مثل «البصمة الكربونية»، و«الغازات المسببة للاحتباس الحراري»، و«الاحتباس الحراري»، و«الغذاء الصديق للبيئة» تعكس حقيقة أساسية: نحن نعيش في عالم مترابط، وما ننتجه ونستهلكه يمكن أن يترك أثرًا يتجاوز حدود حياتنا الشخصية.
إن استمرار الضغط على البيئة أدى إلى اضطرابات مناخية واسعة النطاق، وأصبح خطر إلحاق أضرار يصعب عكسها بكوكبنا أمرًا حقيقيًا. ولهذا ظهرت مبادرات وحركات بيئية تحاول الحد من هذا الضرر. ومن الأمثلة التي يوردها المصدر أن بعض تجار فول الصويا رفضوا شراء المحاصيل القادمة من المناطق التي أزيلت منها غابات الأمازون، في محاولة للحد من إزالة الغابات.
لكن البيئة لا تبدأ من المصانع أو السيارات فقط؛ بل تمتد أيضًا إلى بيئتنا الغذائية وإلى الطعام الموجود على موائدنا.
تشير المادة إلى أن ثلاثة محاصيل رئيسية فقط، هي الأرز والقمح والذرة، توفر نحو 65% من الإمدادات الغذائية العالمية. وفي الوقت نفسه تعتمد الزراعة الحديثة بدرجة كبيرة على الأسمدة والمبيدات ومبيدات الأعشاب. ومع ذلك، تتطور تقنيات زراعية أكثر توافقًا مع البيئة، يمكن أن تساعد في خفض التكاليف والحفاظ على جودة التربة. كما أصبحت المحاصيل والأغذية المعدلة وراثيًا جزءًا من النقاش حول مستقبل الغذاء، خصوصًا بسبب استخدامها لمقاومة الآفات وزيادة الإنتاجية. Going green.pdf
هل يساهم النظام الغذائي الأمريكي في ارتفاع حرارة الكوكب؟
اختياراتنا الغذائية تؤثر في صحتنا، ليس فقط في الحاضر وإنما أيضًا على المدى الطويل، لكنها تؤثر كذلك في البيئة من خلال انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
فالبصمة الكربونية للطعام لا تقتصر على مرحلة إنتاجه. إنها تشمل الإنتاج والنقل والتصنيع والتعبئة والتخزين وإعداد الطعام حتى يصل إلى مائدتنا. ووفق الأرقام الواردة في المادة، يسهم قطاع الغذاء بنحو 15 إلى 30% من إجمالي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
وتشير المادة إلى أن النظام الغذائي الأمريكي المتوسط يرتبط بنحو 2.8 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنويًا لكل شخص، وهو رقم أعلى من الانبعاثات التي تولدها قيادة السيارات والشاحنات، والمقدرة في المصدر بنحو 2.2 طن للشخص سنويًا.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: بعض الأطعمة يمكن أن تكون أقل فائدة لصحتنا وفي الوقت نفسه أكثر عبئًا على البيئة.
فالأطعمة شديدة التصنيع، التي أصبحت جزءًا كبيرًا من الأنظمة الغذائية الحديثة، قد تكون منخفضة القيمة الغذائية، كما أن تصنيع بعضها يحتاج إلى كميات كبيرة من الموارد والطاقة. ولذلك يطرح المصدر سؤالًا مهمًا: كيف يمكن أن نجعل طعامنا أكثر صحة وفي الوقت نفسه أكثر توافقًا مع البيئة؟
ومن الحلول المطروحة زيادة الاعتماد على الأطعمة النباتية، لأنها يمكن أن توفر قيمة غذائية جيدة مع استخدام أقل للموارد الطبيعية في العديد من الحالات.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالأطعمة الحيوانية، مثل اللحوم ومنتجات الألبان، يمكن أن توفر كثافة غذائية مرتفعة، بينما ترتبط في الوقت نفسه بمستويات أعلى من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري. لذلك فإن بناء نظام غذائي مستدام لا يعني بالضرورة مجرد حذف مجموعة غذائية واستبدالها تلقائيًا بمجموعة أخرى.
المعيار الأكثر أهمية هو أن يجمع النظام الغذائي بين الكفاية الغذائية والأثر البيئي الأقل. فخفض الانبعاثات لا ينبغي أن يكون على حساب الحصول على العناصر الغذائية الضرورية للصحة. وتشير الأبحاث التي يستشهد بها المصدر إلى إمكانية الوصول إلى نظام غذائي مستدام يلبي الاحتياجات الغذائية ويخفض الانبعاثات دون ضرورة الاستبعاد الكامل للحوم أو منتجات الألبان، وإنما من خلال اختيار مجموعات وتركيبات غذائية مختلفة ذات آثار بيئية متفاوتة. Going green.pdf
الحبوب الكاملة: اختيار بسيط لصحة الإنسان والبيئة
الحبوب الكاملة تمثل مثالًا واضحًا على إمكانية اجتماع المصلحة الصحية والبيئية في طبق واحد.
فالحبوب الكاملة أقل معالجة من العديد من المنتجات الغذائية الأخرى، وتحتوي على مجموعة من الفوائد الغذائية. وتشير المادة إلى أن الدراسات وجدت ارتباطًا بين استهلاك الحبوب الكاملة وانخفاض مؤشر كتلة الجسم، وانخفاض الكوليسترول الكلي، وانخفاض نسبة الخصر إلى الورك.
وفوق ذلك، فإن انخفاض درجة معالجة الطعام يمكن أن يعني استخدامًا أقل للطاقة والموارد، وبالتالي تقليل البصمة الكربونية المرتبطة به.
والأمر لا يحتاج إلى تغييرات جذرية في نمط الحياة. يمكن ببساطة استبدال الخبز الأبيض بخبز الحبوب الكاملة، أو الأرز الأبيض بالأرز البني، وإدخال خيارات مثل حبوب الإفطار الكاملة والفشار والمقرمشات المصنوعة من الحبوب الكاملة.
الفكرة هنا ليست الحرمان، وإنما تغيير الاختيار: عندما تكون أمام وجبة خفيفة شديدة التصنيع، يمكن أحيانًا اختيار بديل يعتمد على الحبوب الكاملة، بحيث يكون القرار مفيدًا للصحة وأخف أثرًا على البيئة. Going green.pdf
البروتين ليس مجرد مسألة غذائية
تقدم المادة مثالًا آخر أكثر ارتباطًا بالبيئة من خلال قضية التلوث النفطي.
ففي أبريل 2010 انفجرت منصة النفط التابعة لشركة BP المعروفة باسم Deepwater Horizon في خليج المكسيك، ما أدى إلى وفاة 11 شخصًا وتسرب نفطي استمر 87 يومًا، ووفق المصدر بلغ حجم النفط المتسرب نحو 4.9 مليون برميل. وأثر التسرب في الحياة البحرية والمواطن الطبيعية، كما امتد أثره إلى أكثر من ألف ميل من السواحل في ولايات أمريكية عدة.
لكن ما علاقة ذلك بالبروتين؟
توضح المادة مفهوم المعالجة الحيوية أو Bioremediation، حيث تستطيع الكائنات الدقيقة الموجودة طبيعيًا في التربة المساعدة على تنظيف المياه الجوفية الملوثة بالبنزين والمذيبات والملوثات الأخرى. وتلعب الإنزيمات، وهي بروتينات تعمل كمحفزات للتفاعلات الكيميائية، دورًا أساسيًا في هذه العملية من خلال تفكيك المركبات السامة وتحويلها إلى مواد أقل ضررًا مثل ثاني أكسيد الكربون والماء.
ويمكن للعلماء تسريع هذه العمليات الطبيعية من خلال توفير الهواء والبروتينات والعناصر الغذائية للكائنات الدقيقة، بما يساعدها على تفكيك النفط وتحويله إلى جزيئات وعناصر أبسط.
وهكذا يقدم البروتين هنا مثالًا مثيرًا على أن الكيمياء الحيوية الموجودة في الطبيعة يمكن أن تصبح جزءًا من أدواتنا لمعالجة الأضرار البيئية. كما تُستخدم تقنيات المعالجة الحيوية في معالجة مياه الصرف وفي استعادة بيئات أخرى تعرضت للتدهور.
السلطة في طبق السلطة
هناك جانب آخر يربط بين البيئة والغذاء مباشرة: كثافة الطاقة في الطعام.
تطرح المادة مثالًا لشابة ازداد وزنها بعد التخرج من المدرسة، وتبحث عن طريقة لتناول طعام أكثر دون زيادة الوزن. ويأتي الحل من مفهوم «الأطعمة منخفضة كثافة الطاقة»، وهي أطعمة تحتوي على سعرات حرارية أقل بالنسبة إلى حجمها، مثل الخضروات والفواكه.
تناول سلطة كبيرة غنية بالخضروات في بداية الوجبة يمكن أن يساعد على الشعور بالشبع مع استهلاك كمية أقل من السعرات الحرارية. وتشير الدراسات المذكورة إلى أن زيادة الخضروات في الوجبات يمكن أن تؤدي إلى انخفاض إجمالي استهلاك الطاقة مع الحفاظ على الإحساس بالشبع.
وفي إحدى الدراسات التي يستشهد بها المصدر، أدت طرق مختلفة لتقليل كثافة الطاقة في الوجبات إلى خفض استهلاك الطاقة اليومي؛ إذ أدى تقليل الدهون إلى توفير يقارب 400 سعر حراري، وزيادة الفواكه والخضروات إلى توفير نحو 300 سعر حراري، بينما أدى إضافة الماء إلى توفير نحو 230 سعرًا حراريًا مقارنة بالوجبات التقليدية.
والمفارقة الجميلة هنا أن الاختيار الذي قد يساعد الإنسان على إدارة وزنه يمكن أن يساعد البيئة أيضًا. فزيادة الاعتماد على الخضروات والفواكه وتقليل استهلاك بعض الأطعمة الأعلى كثافة في الطاقة يمكن أن تكون جزءًا من نمط غذائي أكثر توافقًا مع البيئة. كما أن زيادة النشاط البدني، مثل المشي بدلًا من استخدام السيارة في بعض الرحلات القصيرة، تجمع بين الفوائد الصحية وتقليل البصمة الكربونية.
السمك: بين الفوائد الصحية والأثر البيئي
تتناول المادة أيضًا الأسماك باعتبارها مصدرًا غذائيًا غنيًا بالبروتين والفيتامينات والمعادن، وتربطها بقضية انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وتشير إلى أن الميثان الناتج عن الحيوانات الزراعية من الغازات القوية المسببة للاحتباس الحراري، بينما لا ينتج الميثان بالطريقة نفسها عن صيد الأسماك. لذلك تقارن المادة بين استهلاك الأسماك الدهنية وبين بعض أنواع اللحوم الحمراء من الناحية الصحية والبيئية.
كما تسلط الضوء على أحماض أوميغا-3 الدهنية، وخصوصًا EPA وDHA، الموجودة بكميات كبيرة في الأسماك الدهنية مثل السلمون والماكريل والسردين والتراوت والرنجة.
وتذكر المادة بيانًا علميًا لجمعية القلب الأمريكية يوصي بتناول حصتين على الأقل من الأسماك أسبوعيًا، مع التركيز على الأنواع منخفضة الزئبق مثل السلمون والماكريل والرنجة وتراوت البحيرات وبعض أنواع
لكن اختيار الأسماك لا يتعلق بالاستدامة وحدها؛ فهناك قضية أخرى لا يمكن تجاهلها: تلوث المحيطات بالزئبق.
عندما يعود التلوث إلى مائدتنا
يمكن أن يؤدي تلوث المحيطات إلى انخفاض أعداد الأسماك أو الإضرار بالنظم البيئية البحرية، لكن المشكلة لا تتوقف عند البيئة. فبعض الملوثات الصناعية، ومنها الزئبق ومركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور، يمكن أن تصل إلى المياه وتمتصها الأسماك، ثم تتراكم في أجسامنا عندما نتناولها.
وتكون مخاطر التعرض للزئبق أكثر أهمية بالنسبة إلى الأجنة والمواليد والأطفال الصغار خلال مراحل النمو الحساسة، إذ يمكن أن يؤثر التعرض المرتفع في الجهاز العصبي والتعلم وبعض الوظائف المعرفية.
وتشير المادة إلى دراسات ربطت جزءًا كبيرًا من الزئبق الموجود في المحيط الهادئ بمصادر صناعية، من بينها محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم في آسيا، ثم ينتقل الزئبق عبر الغلاف الجوي والتيارات البحرية إلى السلسلة الغذائية.
ولهذا فإن السؤال ليس ببساطة: «هل نأكل السمك أم لا؟» وإنما: أي سمك؟ وكم مرة؟
فالأنواع تختلف في مستويات الزئبق، ولذلك صدرت توصيات أكثر تحديدًا بشأن الأنواع التي يمكن تناولها بكميات أكبر والأنواع التي ينبغي الحد منها، خصوصًا الأنواع التي تميل إلى تراكم مستويات مرتفعة من الزئبق مثل بعض أنواع التونة وسمك أبو سيف.
الطعام قرار شخصي… لكنه ليس بلا أثر
في النهاية، تكشف لنا علاقتنا بالطعام عن حقيقة أكبر: اختياراتنا الفردية ليست منفصلة عن العالم من حولنا.
ما نأكله يؤثر في صحتنا، لكنه يرتبط أيضًا بالأرض والمياه والطاقة والزراعة والنقل والتصنيع والتعبئة والنظم البيئية. ولذلك فإن الانتقال إلى نظام غذائي أكثر استدامة لا يعني بالضرورة اتباع قواعد صارمة أو البحث عن «طعام مثالي» لا أثر له على البيئة.
الأهم هو فهم العلاقة بين القيمة الغذائية والأثر البيئي، ثم اتخاذ قرارات أكثر وعيًا: زيادة الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، تقليل الاعتماد على الأطعمة شديدة التصنيع، التفكير في مصادر البروتين وكثافة تأثيرها البيئي، والانتباه إلى الاستدامة والسلامة عند اختيار الأسماك.
إن التحول البيئي الحقيقي لا يحدث فقط عندما تتغير السياسات أو التكنولوجيا؛ بل يبدأ أيضًا من القرارات اليومية المتكررة التي نتخذها جميعًا. وكل وجبة هي، بطريقة ما، اختيار بين أنظمة مختلفة للإنتاج والاستهلاك.
فالطعام الذي نضعه على مائدتنا لا يغذي أجسادنا فقط؛ بل يرتبط أيضًا بالعالم الذي نتركه وراءنا.





