د. رامي عطا صديق
عبر سنوات الدراسة فى مرحلة التعليم ما قبل الجامعى، تأتى الذكرى الخاصة بانتصارات أكتوبر المجيدة عام ١٩٧٣م باعتبارها الدرس الأول فى المدرسة، والاحتفال بها هو أول احتفالات العام الدراسى الجديد؛ ففى الإذاعة المدرسية صباحًا يأتى خبر الاحتفال بهذا النصر العظيم أولًا، وفى حصة اللغة العربية يطلب المعلمون أن نكتب موضوعًا تعبيريًا عن نصر أكتوبر، وأن نستشهد فيه بأمثلة ونماذج من بطولات القادة والجنود، وفى حصة الرسم يطلب المدرسون أن نرسم العلم المصرى وهو يرفرف على صفحات كراسة الرسم، ربما فى تعبير عن ديمومة الحركة واستمرار النصر، وفى حصة الموسيقى نسمع عزفًا لأغانٍ وطنية تلهب روح الحماسة فى داخلنا. وفى بعض السنوات تكون الرحلة الأولى إلى بانوراما ٦ أكتوبر بمدينة نصر، لنتعرف بصورة أعمق، جذابة وممتعة، على يوميات الحرب وبعض تفاصيل أحداثها.
ولما كبرنا وبدأنا مرحلة الجامعة كانت احتفالات أكتوبر- وما زالت- هى النشاط الأول، من خلال تنظيم الزيارات الميدانية لبانوراما حرب أكتوبر، التى لم تفشل يومًا فى إبهار المترددين عليها، وقد اصطحبت بعض الطلاب الجامعيين فى العام الماضى إلى هناك، وكانت زيارة مُنعشة ومُبهجة.
ومن الأنشطة الداخلية فى المعاهد والكليات تنظيم الندوات واستضافة واحد أو أكثر من أبطال حرب أكتوبر أو أحد الخبراء الاستراتيجيين ليتحدث إلى الأجيال الجديدة عن هذا النصر العظيم وخطته التى تدرسها بعض الكليات العسكرية على مستوى العالم، بالإضافة إلى إقامة معارض لصور من بطولات الحرب، مثل تحطيم خط بارليف، وبطولات القوات الجوية والمدرعات والمشاة والإشارة والدفاع الجوى والإمداد والتموين..، وعرض نماذج من صفحات الجرائد وأغلفة المجلات التى نقلت أحداث الحرب وأخبار النصر لجمهور القراء آنذاك، مثل جرائد الأهرام وأخبار اليوم والأخبار والجمهورية ومجلات الهلال والمصور وروزاليوسف وصباح الخير وآخر ساعة..، ومعرض آخر يتضمن بوسترات وأفيشات الأعمال الدرامية التى تضمنت مشاهد وحكايات من حرب أكتوبر، مثل: العمر لحظة، والرصاصة لا تزال فى جيبى، والطريق إلى إيلات، وأبناء الصمت، ورأفت الهجان، والممر، وغيرها.
هكذا تحظى انتصارات أكتوبر المجيدة بهذا الاهتمام وهذه المكانة فى المدارس والجامعات، باعتبارها الحدث السياسى والعسكرى الأبرز فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر؛ فيه استرد المصريون أرضهم واسترد الجيش عزته وكرامته، كما أن تذكر انتصارات أكتوبر يخلق حالة من التواصل بين الأجيال وتكوين ذاكرة جمعية مشتركة بين المواطنين، ويُسهم فى تدعيم الانتماء للوطن وتنمية روح الوطنية لدى الأجيال الجديدة. ومن خلال انتصارات أكتوبر نستطيع أن نلمح عددًا من المشاهد التى تحمل دلالات عميقة ورسائل ذات مغزى للحاضر والمستقبل. أولًا- التخطيط السليم والاستعداد الجيد: عقب هزيمة سنة ١٩٦٧م، كانت هناك فرصة لإجراء مراجعة نقدية، وعدم الاستسلام لليأس والإحباط، وإعادة تسليح الجيش، فجاءت حرب الاستنزاف تمهيدًا للعبور وتحقيق النصر.
ثانيًا- الاتحاد تكامل وقوة: حيث اتحدت الجبهة الداخلية مع الجبهة الخارجية، وكان الجميع فى حالة استعداد، وكأن كل مواطن وكل مواطنة من مختلف الفئات يحارب من موقعه، شارك الفنانون بجمع المال والتبرعات وزيارة الجرحى والمصابين، واهتم رجال الدين بزيارة الجبهة لدعم الجنود وتشجيعهم، قبل الحرب وبعدها، حيث زارها فضيلة شيخ الجامع الأزهر الإمام الأكبر عبد الحليم محمود، وفضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى، وقداسة البابا شنودة الثالث وغيرهم، وكان لهذه الزيارات وقع جيد على القادة والجنود.
ثالثًا- الصحافة والحركة الوطنية: حيث تُمثل الصحافة أحد تجليات المشهد المصرى ونبض الوطن، وكانت جزءًا من خطة الخداع الاستراتيجى، وبعد الحرب استطاعت الصحف أن تنقل الأحداث أولًا بأول لجمهور القراء، لتظل الصحف وثيقة حية وشاهدة أمام التاريخ على حدث مُعاصر.
رابعًا- الحرب والسلام: بعد الحرب، التى كان لا بد منها، اتجهت القيادة السياسية نحو التفاوض، فى رسالة لكل العالم أن مصر دولة محبة وسلام، مثلما هى دولة عدالة وحق.
اليوم، ومع احتفال المصريين بالذكرى «٥٣» لانتصارات أكتوبر المجيدة، تحية من القلب لجيل أكتوبر العظيم من العسكريين والمدنيين. تحية لمن استُشهدوا دفاعًا عن تراب هذا الوطن. تحية لمن أدوا واجبهم وعادوا إلينا ينقلون بطولات وخبرات وتجارب، نفتخر ونتحاكى بها من جيل إلى جيل. وتعيشى يا مصر فى عزة ونصر.
نقلا عن المصري اليوم





