بقلم الأب يسطس الأورشليمى
إذ تحدث الرسُول في الإصحــــــــاح الثامن: كور2عن الحُب العملي تجاه فقراء أورشليم الذين عانُوا الكثير بسبب اضطهادهُم وحلول مجاعة وحرُوب بها، كما طلب منهم أن يقبلوا تلميذه تيطس ورفيقيه، فهو كرسول للأمم لم يتغافل عن احتياجات المسيحيين الذين من أصل يهُودي ولا حسب الخدمة في أورشليم ليست من اختصاصاته، إنه أب لكُل البشر كسيده، شعر بالالتزام أن يحث المسيحيين من أصل أممي للمساهمة بسخاء في تقديم احتياجات الكنيسة في أورشليم..

في هذا الإصحاح يُظهر اهتمامه بالفقراء، كما أبرز ضرُورة اختيار أناس مُوثوق في أمانتهُم وإخلاصهم أمام الله والناس حتى لا يتعثر أحد فيهم أثناء خدمته الخاصة بالعطاء، وأن يربطُوا عطاء القلب بالمال، والسخاء بالحكمة والاعتدال.

أن السخاء الذي اتسمت به هذه الكنائس ليس نابعاً عن جُو من المنافسة ولا حُب الظهُور، ولا لمجرد عاطفة بشرية، إنما هو ثمر نعمة الله التي تعمل في القلب، فيصير محباً لا لإعطاء المال فحسب بل لبذل الذات أنه عطاء خلال الحُب الإلهي المُنسكب في النفس، فكُل عطاء وكُل فضيلة صالحة هي عطية من الله تحُول حياتنا لكي تكُون حياة بنّاءة نافعة في حياة الآخرين، فكُونُوا رحماء كما أن أباكم الذي في السماوات..

ثم نُعرفكم أيها الإخوة نعمة الله المعطاة في كنائس مكدونية، أنه في اختبار ضيقةٍ شديدةٍ فاض وفور فرحهم وفقرهم العميق لغنى سخائهم لأنهم أعطوا حسب الطاقة، أنا أشهد وفوق الطاقة، من تلقاء أنفسهم ملتمسين منا بطلبةٍ كثيرةٍ، أن نقبل النعمة وشركة الخدمة التي للقديسين..

مع أن مسيحيي مكدونية فقراء ومضطهدُون، يُعانُون من الضيق لكنهم أغنياء للغاية في البهجة والفرح، أنهم وجدُوا فرصة سانحة للعطاء للإخوة في ضيقة أشد أكثر فقراً، هكذا خلال نعمة الله تشعر الكنائس الفقيرة والتي في محنة بالالتزام أن تسند الكنائس التي أكثر منها فقراً، فلا يُعفى مسيحي من العطاء، لأنه يئن مع أنات من هم أكثر منه تعباً واحتياجاً، فالعطاء بسخاء يوّلد فرحاً داخلياً، فإذ يعطي الإنسان مما لديه، تنفتح أبواب قلبه ليتقبل عطايا السماء السخية المُقدمة له..

في سخائهُم لم يضعُوا قاعدة للعطاء كأن يقدمُوا العشُور، إنما كانوا يشعرُون بالرغبة في تقديم كُل ما يمكنهم تقديمه، بل وفاقوا هذا فقدمُوا أنفسهم لله بكُل قلوبهُم، قدمُوا من اعوازهم أكثر فأكثر فُوق طاقتهم متشبهين بالأرملة التي قدمت الفلسين، وهما كُل ما كانت تملكه، وقد مدحها الرّب وقال: إن هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر من الجميع (لو2:21)..

في أبوته الحانية رفض مثل هذا العطاء بالرغم من احتياج كنيسة أورشليم لأنه فُوق طاقتهم، وقد ألهب هذا التصرف بالأكثر قلوبهم ليصرُوا على العطاء، فصارُوا يتُوسلون إليه بإلحاح لكي يقبل العطية حاسبين في ذلك نعمة ينالونها من قبل الله، وشركة في خدمة القديسين..

كان إصرارهم بثقة كاملة في الإيمان، وبذهن نقي مُتطلعين بقُوة إلى المكافآت السماوية مما جعل الرسُول يقبل عطاياهم في النهاية، بالعطاء نُعلن عن عضُويتنا العاملة في جسد المسيح المُقدس..

وليس كما رجُونا، بل أعطُوا أنفسهُم أولاً للرّب، ولنا بمشيئة الله، حتى إننا طلبنا من تيطس أنه كما سبق فابتدأ، كذلك يُتمم لكم هذه النعمة أيضاً.

لم يكن ينتظر مثل هذا العطاء، فإنهم ليس فقط قدموا ما هُو فُوق طاقتهم، بل أعطوا أنفسهم للرّب وله ومن معه، فحققوا المشيئة الإلهية لحساب مجد الله، فالعطية لن تُقبل ما لم تُقدم أولاً للرّب، وحسب مشيئته، ولمجد اسمه القدُوس، مقدمين قلُوبهُم قبل ممتلكاتهُم..

بدأ تيطُس خطة الجمع لأهل أورشليم حين كان قبلاً في كُورنثُوس، وقبلته الكنيسة هناك بتكريمٍ عظيمٍ، وشعر الكُل بحبه لهم، والآن يرسله لكي يتمم هذه المهمة الخاصة بنعمة العطاء بسخاء..

 هذه النعمة أعظم من أقامة المُوتى، فإطعام المسيح وهُو جائع أعظم بكثير من إقامة الموتى باسمه، لأن عند عمل آيات تكُون أنت مُديناً لله، وفي تقديم العطاء تجعل الله مديناً، وحاشا!!

حسناً عندما يُشير إلى العطاء فيدعُوه نعمة، لأنه صلاح عظيم وعطية من الله، ومغبُوط هُو العطاء أكثر من الأخذ (أع35:20)..

لكن كما تزدادون في كُل شيءٍ: في الإيمان والكلام والعلم وكُل اجتهاد ومحبتكم لنا، ليتكم تزدادون في هذه النعمة أيضاً، لست أقول على سبيل الأمر، بل باجتهاد آخرين، مُختبراً إخلاص محبتكم أيضاً..

يشجعهم من أجل مواهبهم وتقدمهم، طالباً منهم أن يضموا إليها نعمة وفضيلة العطاء، فأظهر فيض هذه النعم عليهم مبتدئاً بالإيمان ويختمها بمحبتهم للرسل والخدام، وكأنه يقول: بأن لديهم إمكانيات التمتع بنعمة العطاء، مادام لديهم وفرة من الإيمان والحُب، فالإيمان هُو مصدر النعم إن أتحد بالكلام أي بالتعليم، والعلم والمعرفة..

تحمل كنيستهم كنوز الشهادة مع المعرفة والعلم لإرادة الله والمثابرة للنمو في ملكُوت الله، فماذا بعد ينقصهم؟! لقد تأهلوا عملياً للعطاء كما يليق، إنهم أغنياء في الإيمان والحُب مع المعرفة الرُوحية وتأهلوا لميراث الملكُوت، هذا يدفعهم للعطاء للمضطهدين والمحتاجين..

لم يرد أن يصدر أمراً بالعطاء، ولا أن يضع حدوداً معينة، معطياً لهم الفرصة لكي يُظهر كُل واحد منهم حبه الذي يسمُو فُوق كُل قانُون ملزم، فقانونهم في العطاء هُو حبهُم الخالص، وقلوبهم ومعرفتهم الصادقة لمشيئة الله، وإرادتهم المُقدسة الحرة، أما المثل العملي فهو غيرة كنائس مكدونية واجتهادهم، بل السيد المسيح نفسه، إذ يقُول:

 فإنكم تعرفُون نعمة ربنا يسُوع المسيح، أنه من أجلكم افتقر وهُو غنيّ، لكي تستغنُوا أنتم بفقره، من غنى نعمته أنه وهُو الغني خالق الكُل، من أجلنا افتقر، حيث أخلى نفسه، آخذاً صورة عبدٍ، وأطاع حتى المُوت مُوت الصليب (في8:2) حتى بفقره الإرادي هذا نتمتع بحبه، ونغتني بنعمته، فيصير لنا حقّ الشركة معه في الميراث الأبدي..

 صار الرّب فقيراً لكي يعطي راحة للفقراء، وحتى لا ييأس أحد من الخلاص بسبب فقره، مَن من البشر يعرف كُل كنُوز الحكمة، والمعرفة المخفية في السيد المسيح، ومحتجبة فيه ؟!

أعطي رأياً في هذا أيضاً، لأن هذا ينفعكم أنتم الذين سبقتم فابتدأتم منذ العام الماضي، ليس أن تفعلوا فقط بل أن تُريدوا أيضاً، ولكن الآن تممُوا العمل أيضاً، حتى أنه كما أن النشاط للإرادة، كذلك يكون التتّميم أيضاً..

لا يتحدث كمَن يصدر أمراً، بل كمَن يُعطي مشُورة، وهي أنكُم قد بدأتم هذا العمل منذ عام، فيليق بكُم أن تكملُوه بالعمل مع المسرة، وعملهم يُشبه برعماً قد نبت لكن يحتاج إلى اهتمام وتكملة وعناية حتى لا يمُوت، فهو لا يتجاهل إرادتهم الصادقة للعمل، لكن يليق بكُل شخص أن يعمل، فالعمل بغير إرادة جادة تنزع عن النفس الفرح والبهجة..

لأنه إن كان النشاط موجوداً فهو مقبول على حسب ما للإنسان، لا على حسب ما ليس له، فإنه ليس لكي يكون للآخرين راحة ولكم ضيق  بل بحسب المساواة، لكي تكون في هذا الوقت فُضالتكم لإعوازهم..

إن كانت الإرادة قائمة ونشيطة تصير مقبُولة لدى الله إن تُرجمت إلى عملٍ جادٍ قدر ما يستطيع المُؤمن، حسب ما لديه دُون أن يقدم مما هو ليس ملكه، كأن يسلب حقّ والديه عليه، أو حقّ أولاده وزوجته تحت دعوى العطاء، فلا يقدم الإنسان للآخرين بينما تئن أسرته من العوز، بل يلزمه أن يكون حكيماً في عطائه، فيرتبط الحب بالحكمة..

يقدم الشخص مما يفضل عنه ليقدم للغير، كما يقبل من الغير ما يفضل عنهم لإشباع ضرورياته، فهُو نُوع من المساواة، لقد سمحت العناية الإلهية بوجود نوعٍ من عدم التساوي في ما يمتلكه الأشخاص لكي تفتح الباب لممارسة الحُب عملياً بالعطاء المتبادل بين البشرية..

لكن كيف تكُون المساوه؟! هل تقديم الروحيات مُقابل الجسديات؟! ولماذا يدعو ذلك مساواة؟! أما بسبب الفيض والاحتياج، أو بخصوص فقط الحياة الحاضرة، لهذا السبب بعد قوله: المساواة، أضاف في الحياة الحاضرة، وهو يقُول هذه الأمُور لكي يصد الأفكار المتشامخة التي للأغنياء، ويُظهر أنه بعد رحيلنا من هنا سيكُون للأمُور الرُوحية فضل أعظم، هنا نتمتع بالمساواة أما هناك فسيوجد تمييز أعظم وتفُوق..

 حينئذٍ يُضيء الأبرار كالشمس في ملكُوت أبيهم (مت43:13)، ومن يقدم عوناً مؤقتاً للذين لهم مواهب رُوحية إنما يحسبُون شركاء في المُواهب الرُوحية، فإنه وإن كان الذين لهم مُواهب روحية قلة قليلة، بينما كثيرُون لديهم الأمُور الزمنية بفيض، فبهذه الوسيلة يمكن لمن لهم ممتلكات أن يشتركوا في فضائل المحتاجين الفقراء..

كما هُو مكتُوب: الذي جمع كثيراً لم يُفضل، والذي جمع قليلاً لم يُنقص، يُشير هنا إلى (خر18:16)، حيثُ جمع بنُو إسرائيل من المَن في الصباح قبل الدفء، فالذين أكثروا في الجمع لم يكثر، وما تبقى منه إلى اليوم التالي فسد، ومن جمع أقل أكل هُو وأسرته وشبعوا، ولم يشعروا بالحاجة إلى طعامٍ أكثر، هكذا إذ نعطي، أو نأخذ، بالعطاء لا نصير في عوزٍ، وبالأخذ لن يصير لنا ما يفضل عنا لأننا سنترك ما لدينا..

ولكن شكراً لله الذي جعل هذا الاجتهاد عينه لأجلكم في قلب تيطس لأنه قبل الطلبة، وإذ كان أكثر اجتهاداً، مضى إليكم من تلقاء نفسه وأرسلنا معه الأخ الذي مدحه في الإنجيل في جميع الكنائس، وليس ذلك فقط، بل هو مُنتخب أيضاً من الكنائس، رفيقاً لنا في السفر..

ما يشغل قلب الرسُول بُولس يشغل قلب تلميذه تيطس، فقد أنطلق من نفسه إلى كورنثوس ليحثهُم على العطاء، وهنا يقدم ذبيحة شكر لله، ولم يتضايق لأن تيطس تحرك من نفسه للعمل، بل فرح به وشكر الله الذي عمل في قلب تلميذه كما عمل في قلبه هُو..

 ثم يقول عن الأخ الذي أرسله، إنه موثوق فيه ويعمل لحساب ملكوت الله ونمو الكنيسة في كورنثوس، بقوله: مُنتخب من الكنائس، رفيقاً لنل في السفر، تكشف أن الرسُول بُولس كان يقدر رأى الجماعة حتى في اختيار مَن يرافقه في رحلاته التبشيرية..   

مع هذه النعمة المخدومة منا لمجد ذات الرّب الواحد ولنشاطكم مُتجنبين هذا أن يلومنا أحد في جسامة هذه المخدومة منا، مُعتنين بأمورٍ حسنةٍ، ليس قدام الرب فقط، بل قدام الناس أيضاً..

هذه النعمة، يقصد بها لكي يُعلن الكلمة ويُكرز بالإنجيل فكان يهتم جداً ألا يتعثر أحد فيه، أو في مَن يعمل معه، فكان العاملون معه مختارين من الكنائس، لهم سمعتهم الحسنة وسلوكهم خاصة وأنه في هذه الخدمة يأتمن الشخص على فيض كبير من العطاء، ولا يسمح لأحد من الأشرار ان يُشوه سمعة الخادم أو يتهمه بالطمع أو الخيانة، ولا يكفي أن يكُون مشهُوداً له من الله فقط، وإنما من الناس حتى لا يتعثرُوا..

وأرسلنا معهما أخانا، الذي اختبرنا مراراً في أمورٍ كثيرةٍ أنه مُجتهد ولكنه الآن أشدّ اجتهاداً كثيراً بالثقة الكثيرة بكم، أما من جهة تيطس فهو شريك لي وعامل معي لأجلكم، وأما أخونا فهما رسولا الكنائس، ومجد المسيح، فبيّنوا لهم، وقُدام الكنائس، بينة محبتكم، وافتخارنا من جهتكم..

رافقهما خادم ثالث يعرفه الرسول ويثق جداً في غيرته ومحبته وأمانته وقد زادت غيرته ونشاطه عندما أعلن أهل كورنثوس ثقتهم هم أيضاً فيه كما أن الخادم الأمين يلهب قلوب شعب الله للعمل، فإن ثقة الشعب بالخادم تدفعه للعمل بأكثر قوة واجتهاد..

 وعلاقة الراعي بالرعية علاقة متبادلة، كُل منهما يسند الآخر، ثم ختم حديثه بخصوص هذه الإرسالية بمدح الجميع تيطس كشريك معه في الخدمة مع أنه تلميذه، والرسُولين ليعملا لمجد المسيح، ثم سألهم أن يترجمُوا محبتهُم عملياً حتى يفتخر بهم كشعب محُب..