بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أولاً: تعني إقصاء إنجيل النعمة الحقّ، وذلك عندما يتكل المُؤمن على بره الذاتي، أو يحفظ النامُوس الحرفي كمصدر الخلاص والبرّ..
ثانياً: عندما يستهين المُؤمن بالنعمة، بأن يزرع للجسد شهواته الجسدية فيحصد فساداً أخلاقياً، عوض ثمار الرُوح القُدس..
الإيمان بالمسيح المحرّر العامل بالمحّبة، أي المحّبة المُتبادلة بين الله والإنسان، فحب الله يحرك الإنسان فيستجيب له، مُطيعاً الوصية في حب، فالإيمان ليس هُو كُل ما يُطلب، إنما يجب أن يثبتوا في المحّبة، وكأنه يقول: أتحبون المسيح كما ينبغي؟! لا ترتدّوا إلى العبُودية وتتخلوا عن ذاك الذي خلّصكُم، لا تزدرُوا بمن منحكُم الحرية..
الرسُول بُولس أراد بهذه الكلمات أيضاً أن يُصحح مسار حياتهُم، وهذا الإيمان يميزنا عن إيمان الشياطين، وعن سلُوك الدنسين الفاسدين، انزع الإيمان يتبددّ كُل ما تعتقد به، وأنزع الحب يتبددّ كُل أعمالك، فعمل الإيمان أن تعتقد، والمحّبة أن تعمل (غل6:5)..
فليس الذين يسمعُون النامُوس: هُم أبرار عند الله، بل الذين يعملون بالنامُوس هُم يبرّرون (رو13:2؛ يع19:2)، لا تقدرُون أن تقتنُوا الحُب بدُون الإيمان كيف يمكن لإنسان أن يحب الله ما لم يُؤمن به؟ كيف يمكن للجاهل أن يحب الله، الذي يقُول في قلبه ليس إله..
يمكنك أن تُؤمن بأن السيد المسيح جاء دُون أن تحبه، لكن لا يمكنك أن تحبه، وأنت تقول بأنه لم يأتِ بعد..
كنتُم تسعُون حسناً، فمَن صدّكُم حتى لا تطاوعُوا للحقّ؟ وصفت الطاعة في الحب كطاعة للحقّ الإنجيلي، إذ خشي الرسُول لئلا يكُون قارئُوه نافرين منها، فالذي دعاكُم لم يدعكُم إلى مثل هذه التقلبات، ولم يضع لكُم نامُوساً أن تتهودُوا، فخميرة صغيرة تُخمّر العجين كُله، أي الخطأ الطفيف الصغير إن لم يُصحح، قادراً على قيادتكُم إلى تهود كامل..
قال: ولكنني أثق بكُم في الرب أنكُم لا تفتكرُون شيئاً آخر، ولكن الذي يُزعجكُم سيحمل الدينُونة أيّ مَن كان، وأما أنا أيها الإخوة فإن كنت بعد أكرز بالختان، فلماذا أضطهد بعد؟ إذاً عثرة الصليب قد بطلت، يا ليت الذين يُقلقُونكُم يقطعُون أيضاً، راجع الكتاب (10-12)..
في كُل موضع يربط شكواه ضدهُم بمديحه لهُم، هُنا يبدُو كمن يقُول: إنني أعرف تلاميذي، وأدرك استعدادكُم للاستقامة، لي رجاء عظيم فيكُم لأن الرّب لا يسمح بهلاك شيء مهما كان تافهاً، لأنكُم ترجعُون هكذا إلى إصلاح أنفُسكُم سريعاً، وفي نفس الوقت ينصحهُم أن يجاهدُوا من جانبهُم، إذ لا يمكننا التمتع بالمعونة من قبل الله ما لم نجاهد من جانبنا..
يقُول: إن كنت بعد أبشر بالختان، فلماذا أضطهد؟ لأن هذا هُو الاتهام الوحيد الذي يوجهه ضدي الذين هُم من أصل يهُودي، لو أنني سمحت لهُم بحفظ عادات آبائهُم مع قبُولهُم الإيمان لما نَصب لي فخاخاً، مُتطلعين إلى أنني لم أعق استخدام ممارساتهُم، ألم يكرز بالختان، ألم يختن تيمُوثاوس؟! حقاً لقد ختنه، فلماذا يقُول: لم أكرز بالختان؟
بمعنى لم آمر الناس أن يُؤمنُوا به، إذاً لا تحسبُوا هذا تأكيداً لتعليمكُم، عندما جاءوا بإستفانُوس أمام المجمع قالوا: إنه يتكلم كلاماً تجديفاً ضد هذا الموضع المُقدس والنامُوس، راجع (أع13:6)، نفس الاتهام الذي وجهوه أيضاً ضد الرّب يسُوع: إنه كسر النامُوس..
لو سلمنا بالختان يهدأ النزاع، ولا توجد عداوة للصليب، وتستمر كرازتنا، ففي البداية وجه الاتهام ضد المخدوعين، ودعاهم أغبياء عدة مرات، الآن بعد أن أرشدهُم تحول إلى المخادعين لهم..
فإنكم إنما دُعيتم للحرية أيها الإخوة، غير أنه لا تُصيروا الحرية فُرصةً للجسد، بل بالمحّبة اخدموا بعضكُم بعضاً، لأن كُل النامُوس في كلمةٍ واحدةٍ يًكمل: تحب قريبك كنفسك، فإذا كنتُم تنهشُون وتأكلُون بعضكُم بعضاً، فانظرُوا لئلا تُفنوا بعضكُم بعضاً (13-15)..
تكمن الخطُورة في أن يقود التحررّ من الطقُوس المؤمنين إلى المبالغة، هذه التي لا يمكننا الاحتماء ضدها إلا بممارسة أعمال الحب المسيحي، وإنجيل النعمة يحمينا ضدّ التسيب، إذ يجب ألا نخلط بين الحرية والانحلال، فالتحررّ من الشرائع التي هي تحت النامُوس، لا تعني التخلي عن للالتزام، ولكن عوضاً عن ذلك يدعونا إلى تحمل مسئوليات أعظم للحياة تحت النعمة، فالإنجيل يُطالبنا بما هو أكثر، وليس ما هُو أقل مما يطلبه النامُوس، انكسرت قيُود النامُوس لا ليهبط بمستوانا، بل ليرتفع ونتقدم سريعاً إلى الأمام، مُظهراً ذلك بالمحّبة، فاخدمُوا بعضكُم بعضاً..





