الإيبوذياكون د. بولا وجيه
في أزقة مدينة "اللد" العريقة، حيث كانت الثروة والجاه يفرشان طريق الحياة بالحرير، نشأ الأخوان "أونانيوس" و"إندراوس" بين أكابر القوم. لم تكن قصور النبلاء التي ولدا فيها سوى سجن من ذهب لروحيهما اللتين عطشتا لماء أبدي لا ينضب. ومنذ نعومة أظفارهما، تعاهد الأخوان على سرّ خفي؛ أن يتركا مجد الأرض الزائل، ليبحثا عن مجد السماء الباقي.
ذات فجر، وقبل أن تستيقظ المدينة، تسللا تاركين خلفهما ثياب النبلاء، وارتديا ثوب الغربة. يمما شطر أديرة الشام، حيث سكبا زهرة شبابهما في بوتقة الصلاة والنسك. لكن نداءً أعمق كان يهمس في قلبيهما، نداء الصحراء القاحلة التي تزهر بالروح. قصدا برية مصر، وهناك ألقيا أثقالهما عند قدمي القديس العظيم "الأنبا مقاريوس". لثلاث سنوات طوال، تتلمذا على يديه، وكانا كشجرتين مغروستين على مجاري المياه؛ أورقا بالتواضع، وأثمرا بالمحبة، وصارا أنشودة في الأصوام والصلوات التي لا تنقطع، حتى فاحت رائحة مسيحهما في الأرجاء.
ولكن النور لا يمكن أن يختبئ طويلاً تحت المكيال. رأت الكنيسة في هذا النسك المتوهج رعاية صالحة لشعبها، فدُعي "أونانيوس" ليحمل صليب الأسقفية، واختير "إندراوس" ليقف إلى جواره كاهناً أميناً. صارا راعيين يذللان نفسيهما وجسديهما قبل أن يطلبا من الرعية شيئاً، فكانا للضعيف سنداً، وللحزين عزاءً، وللقطيع حراساً ساهرين.
لم تكن رياح ذلك الزمان هادئة؛ فقد اعتلى العرش الإمبراطور "يوليانوس" الجاحد، الذي أراد أن يعيد عجلة الزمن إلى الوثنية، وتناهى إلى مسامعه خبر الأسقف وشقيقه الكاهن اللذين يثبتان الرعية ويرفعان راية الصليب.
صدر الأمر الإمبراطوري الصارم، واقتيد الأخوان ليقفا أمام جبروت الملك. في قاعة الحكم، حيث لمعت السيوف وتطايرت وعود الذهب، طالبهما يوليانوس بكلمة واحدة: "انكرا المسيح، وادخلا في عبادة الأوثان".
ابتسم أونانيوس، ونظر إلى أخيه إندراوس نظرة تذكر بعهد الطفولة الأول، ثم التفتا إلى الملك. لم يكن ردهما بالكلمات فقط، بل بصمود جبال لا تهزها الرياح. استشاط الملك غضباً، وأمر بإنزال أشد العذابات بهما. توالت آلات التعذيب، لكن جسديهما النحيلين من النسك كانا أقوى من حديد الجلاد. كانا يرتلان تسابيح السماء والدم يغسل تراب الأرض، حتى حانت لحظة العبور، وأسلما الروح بسلام في يدي سيدهما.
وفي السماء، لم تكن الملائكة في انتظارهما بإكليل واحد، بل بثلاثة أكاليل مضيئة وُضعت على هامة كل منهما:
الأول.. إكليل من زهور الصحراء العابقة بنسك الرهبنة والجهاد.
والثاني.. إكليل من ذهب مصفى تقديراً لرعايتهما الكهنوتية وحراسة القطيع من ذئاب الظلام.
والثالث.. متوهج كالياقوت الأحمر، خُتم بدمائهما الطاهرة من أجل شهادة الأمانة.
رحل أونانيوس وإندراوس عن عالمنا، لكن قصة حبهما الأعظم بقيت محفورة في قلب الكنيسة، ترنيمة نصر لا تموت.





