عادل نعمان
وآدم أبو البشر، وأول مخلوق على سطح الأرض، وخلقه الله على صورته فى البر والحسن والعدل، ونفخ فيه من روحه كما جاء فى «سفر التكوين» ووافقت واتفقت عليه كل الأديان.. نعم.. ولسنا نعترض بل نبحث ونتقصى، ولا نغفل عن رأى العلم، ولا ننكر بالكلية الرأى الذى يميل إلى أن هذه أساطير الأولين، ولا نرفض بالكلية أيضًا ما قاله عميد الأدب العربى فى هذا الشأن (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى، فضلًا عن إثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة) ولا أمانع أنا شخصيًا أن نضيف آدم ويونان «يونس» وموسى وغيرهم، ثم أضاف: (فقريش إذن كانت فى هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دِينية وثنية، وهى بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجِدَ فى البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة، ونحن نعتقد أنه حق: فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخى قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التى تحدثت عنها الأساطير، وإذن فليس ما يمنع قريشًا من أن تتقبل هذه الأسطورة التى تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما ذلك لأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس بن إريام صاحب طروادة). ونكتفى بهذا القدر حتى نترك للقارئ فرصة الجدل والتفكير دون حجر.
ماذا عن آدم عند المسلمين؟ خلقه الله من طين، ثم نفخ فيه من روحه، فصار حيًّا كاملًا (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً). إن الله ينبئ ملائكته أنه سيجعل له فى الأرض خليفة يعمرها ويصلح أمرها، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر.
ثم علّمه أسماء الأشياء كلها، وهى أسماء الأشياء التى يتعارف ويتعامل معها من المخلوقات والدواب والنبات والجماد.
وذهب بعضهم إلى أن الله علمه اللغات التى تتحدث بها ذريته من نسله، فانتشرت الألسنة واللغات فى ربوع الأرض. (وإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِى بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ، وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) إلا أن إبليس «الشيطان» قد برر هذا لربه وعلل امتناعه عن السجود والطاعة لآدم بعلة (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).
وكانت أول عقوبة من نصيب إبليس وهى الطرد من الجنة، قوله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}، ورفض ووقف موقف العداء {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} إلا أن الله قد رده بقوله: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ).
ثم نذهب إلى تحذير الله لآدم، من إبليس، قال (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى).
ثم كان الامتحان حين حذر الله آدم وزوجه بعدم الأكل من الشجرة، فقال (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ).
ونذهب معًا لغواية إبليس آدم وزوجه بالأكل من الشجرة، واستجابا لهذه الغواية، قال الله (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ).
وكان اللقاء والعتاب والعقاب من الله لآدم لوقوعه فى الغواية {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقال سبحانه (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وقال (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى).
ثم كان الخروج من الجنة، وتحذيره وذريته من إغواء إبليس وكيده، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى).
كل الأديان مصدرها واحد فى خلق آدم وحواء، لا اختلاف سوى فى النقل والسرد وهو أمر مألوف حتى فى حكايات تحدث اليوم وتنقلها الألسن من مكان وزمن إلى آخر، التطابق موجود ومتفق عليه، السؤال: هل تعتبر قصة خلق آدم نقطة البناء فى الأديان؟ وهل شرط من شروط صحتها وصحة الدعوة؟ وهل اتفاق الأديان على بداية الخلق دليل على وحدتها وتضامنها معًا؟ وهل هذا البناء الكامل وحدة واحدة إذا تصدع منه جزء تصدع البناء كله؟ وهل نحن فى سبيلنا لفك رموز هذا التوافق والاختلاف فى آن واحد؟ وهل المسؤولية مسؤوليتنا نحن؟ وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح!
(الدولة المدنية هى الحل)
نقلا عن المصري اليوم





