(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
في الـ30 من سبتمبر/أيلول من كلّ عامٍ، يُحتفَل بعيد القدّيس جِيروم (هيرُونمُس)، الذي وُلِدَ حوالي سنة 345م في ستريدون، الواقعةِ على الحدودِ بين دالماسيا وبانونيا، في منطقةِ كرواتيا أو سلوفينيا اليوم، وتنيّح في الـ30 من سبتمبر/أيلول لعام 420م. ولقد أصدر البابا فرنسيس، في الذكرى المئويّة السادسة عشرة لنياحة القدّيس جِيروم، رسالةً بابويّة بعنوان "حُبّ الكتاب المقدّس"، في الـ30 من سبتمبر/أيلول لعام 2020م؛ للحديث عن الإرث الثمين الذي تركَهُ لنا هذا العاشق للكتاب المقدّس والخادم لكلمةِ الله، عبر حياتِه وأعمالِه.
[https://www.vatican.va/.../papa-francesco-lettera-ap...].
وبإيجازٍ، يكمن هذا الإرثُ –وفقًا لكلمات البابا فرنسيس ذاته– في: حبّ الكتابِ المقدّس، والحبّ الحيّ والعذْب لكلمةِ الله المكتوبة، والمحبّة الكبيرة للمسيح. إنّه حقًّا «باحِثٌ لا يَكِلّ، ومترجِمٌ، ومفسِّرٌ، وعالمٌ متعمِّقٌ، مُولَعٌ بنشرِ الكتابِ المقدّس. وهو شارِحٌ دقيقٌ لنصوصِ الكتاب المقدّس، ومدافِعٌ متحمِّسٌ ومهاجِمٌ عنيفٌ أحيانًا، للدفاعِ عن الحقيقةِ المسيحيّة. وهو ناسكٌ وزاهدٌ متشدِّدٌ، بالإضافة إلى كونِهِ مرشدًا روحيًّا خبيرًا في عطائِه وحنانه. اليومَ، بعد ألفٍ وستِّمِئةِ سنة، ما زالَتْ صورتُه ذاتَ أهميَّةٍ كبيرةٍ لنا نحن مسيحيِّي القرنِ الحادي والعشرين».
من جهة سياقه التاريخيّ والجغرافيّ، قد «دخلَ القديس هيرُونمُس بكلِّ جدارةٍ بينَ الشخصيّات الكبيرةِ في كنيسةِ العصور الأولى، في الفترة التي عُرِفَت بأنّها العصرُ الذهبيُّ لآباءِ الكنيسة، وكانَ فيها جسرًا حقيقيًّا بينَ الشرقِ والغربِ. كانَ في فترةِ شبابِه صديقًا لروفينُس من أكويليا، والتقى أمبروزيوس، وله مراسلة كثيفة مع أغسطينس. وعَرَفَ في الشرقِ غريغوريوس النازيانزي، وديديموس الأعمى، وإبيفانيوس من سلامينا. وفي تقليد الأيقونات المسيحي نجدُ صورتَه دائمًا في صُحبةِ أغسطينس وأمبروزيوس وغريغوريوس الكبير، واحدًا من كبارِ العلماءِ الأربعةِ في الكنيسةِ الغربيّة».
جديرٌ بالذكر أنّ القدّيس جِيروم قد تميّز ببعدَيْن مهمَّيْن للغاية، قد عبَّر عنهما الفنُّ المسيحيّ الغربيّ بشكلٍ واضح: 1. تكريس الذات لله كاملةً (راهِب وتائِب وناسك)؛ 2. والدراسة الجادّة (عالِم ودارس وباحث دؤوب). فيؤكّد البابا فرنسيس ما يلي: «لِنفهَمَ فَهمًا كاملًا شخصيّةَ القدّيسِ هيرُونمُس، من الضّروريِّ أن نجمعَ بين سِمَتَيْن تميِّزان حياتَه كمؤمن: من ناحية، تكريسٌ مطلَقٌ وحازِمٌ لله، مع التخلِّي عن كلِّ مسرَّةٍ بشريّة، حبًّا للمسيح المصلوب (را. 1 قور 2، 2؛ فل 3، 8. 10)؛ ومن ناحيةٍ أخرى، الالتزامُ بدراسةٍ جادّةٍ، فقط من أجلِ المزيدِ من الفَهم لسِرِّ الرّبِّ يسوع. هذه الشهادةُ المزدوجةُ على وجهِ التحديد، التي قدَّمها القديسُ هيرُونمُس بصورةٍ عجيبةٍ، هي النموذجُ المقدَّمُ لنا: أولاً وقبلَ كلِّ شيءٍ للرهبان، حتى يُشجَّعَ الذي يعيشُ في الزُّهدِ والصلاةِ على تكريسِ ذاتِه للعملِ الجادِّ في البحثِ والفكرِ، وثانيًا للعلماءِ، حتى يتذكَّروا أنّ المعرفةَ صالحةٌ دينيًّا فقط إذا كانَتْ مؤسَّسةً على محبةِ الله لا غير، وعلى التجرُّدِ من كلِّ طمعٍ بشريٍّ وتطلُّعاتٍ أرضيّة».
لعلّ من أهمّ أعمال القدّيس جِيروم هي الترجمة اللاتينيّة للكتاب المقدّس (الفولغاتا). فيقول البابا فرنسيس إنّ «"أحلى ثمَرَةٍ للبِذارِ الشّاقّةِ" في دراسةِ اللغَةِ اليونانيّةِ والعبريّةِ، التي أنجزَها هيرُونمُس، هي ترجمةُ العهدِ القديمِ من اللغَةِ العبريّةِ الأصليّةِ إلى اللغةِ اللاتينيّة. حتى ذلك الوقت، كانَ مسيحيّو الإمبراطوريّةِ الرومانيّةِ لا يمكنُهم أن يقرأوا الكتابَ المقدَّسَ كُلَّه إلّا باللغَةِ اليونانيّةِ. أسفارُ العهدِ الجديدِ كُتِبَتْ باللغَةِ اليونانيّةِ، أمّا أسفارُ العهدِ القديمِ فقد جُمِعَتْ كلُّها في النسخةِ السبعينيّةِ (أي نسخةِ السبعينَ مُترجِمًا) التي أعدَّتْها الجماعةُ اليهوديَّةُ في الإسكندريّة، في القرنِ الثاني قبلَ الميلاد. لكن، بالنسبةِ للقُرّاءِ الناطقين باللغَةِ اللاتينيّة، لم تكُنْ لهم نسخَةٌ كاملةٌ للكتابِ المقدّس بلُغَتِهم الخاصّة. وُجِدَتْ فقط بعضُ الترجمات الجزئيّةِ وغيرِ الكاملة، وانطلاقًا من اللغَةِ اليونانية. يعودُ الفضلُ لهيرُونمُس، وأتباعِه من بعدِه، أنّهم قاموا بمراجعةٍ وترجمةٍ جديدةٍ لكلّ الكتابِ المقدّس. بدأَ هيرُونمُس في روما مراجعةَ الأناجيلِ والمزاميرِ، بتشجيعٍ من البابا دامازُس، ثم تابعَ في عزلتِه في بيتَ لحم ترجمةَ جميعِ كتُبِ العهدِ القديمِ مباشرةً من اللغةِ العبريَة: وقد استمرَّ عملُه هذا سنوات. لإكمالِ عملِ الترجمةِ هذا، استخدَمَ هيرُونمُس معرفتَهُ للغَةِ اليونانيّة والعبريّة، بالإضافةِ إلى تنشئتِه المتينةِ باللغَةِ اللاتينيّة. واستفادَ من الأدواتِ اللُغَوِيَةِ المتوفِّرةِ، ولا سيَّما النسخة السداسيّة لأوريجانوس (Hexapla). وقد جمعَ النصُّ النهائيُّ بين التواصُلِ في العبارات، التي أصبحَتْ جزءًا من اللغةِ العامّةِ الدارجةِ آنذاك، وبين الأمانةِ لأسلوبِ اللغَةِ العبريّة، من دونِ التضحيةِ بجمالِ اللغَةِ اللاتينيّة. فجاءَت النتيجةُ عملًا فنيًّا حقيقيًّا ميَّز التاريخَ الثقافيّ في الغرب، وكوَّنَ لغتَهُ اللاهوتيّة. بعد أن تغلَّبَتْ ترجمةُ هيرُونمُس على بعضِ الرَّفضِ الأوَّلي، أصبحَتْ على الفورِ تراثًا مشتركًا لكلٍّ من العلماءِ والشعبِ المسيحيّ، ومن هنا التسميةُ (الفولغاتا) أي الترجمة الشائعة أو التي درَجَ استعمالُها. تعلَّمَتْ أوروبا في العصورِ الوسطى أن تقرأَ وتصلِّيَ وتفكِّرَ في صفحاتِ الكتابِ المقدَّس التي ترجمَها هيرُونمُس. وهكذا أصبحَ "الكتابُ المقدَّس نوعًا من "كتاب هائل للمفردات" (ب. كلوديل) و"أطلسَ الأيقونات" (م. شاغال)، الذي غَرَفَتْ منه الثقافةُ والفنُّ المسيحي". ثمَّ ظلَّتْ الآدابُ والفنونُ، وحتى اللغَةُ الشعبيّة، تستمدُّ باستمرارٍ من ترجمةِ هيرُونمُس للكتابِ المقدّس، فتركوا لنا كنوزًا من الجمالِ والتقوى».
أخيرًا، وعلى هذا النحو، يسطع القدّيسُ جِيروم نموذجًا لكلّ مسيحيّ في اقترابه من "كلمة الله" ومحبّتها وقراءتها والتّأمُّل فيها؛ فهو «ليس فقط أحدَ أعظمِ عُشَّاقِ "المكتبةِ" [أي الكتابِ المقدّس] التي تَغذَّتْ منها المسيحيّةُ عبرَ الأجيالِ، بدءًا من كنزِ الكتُبِ المقدَّسة. بل يمكن أن نطبِّقَ عليه ما كتبَه هو نفسُه عن نيبوتسيانُس: "بالقراءةِ الدؤوبةِ والتأمُّلِ المستمِرِّ جعَلَ قلبَه مكتبةَ المسيح" [...] في الحقيقة ِكانَ هيرُونمُس "مكتبةَ المسيح"، مكتبةً دائمة، ما زالَتْ تعلِّمُنا، بعد ستّةَ عشَرَ قرنًا، ما معنى محبّةِ المسيح، محبَّةٍ لا تنفصلُ عن اللقاءِ مع كلمتِه. لهذا السبب، إنَّ الذكرى المئويَّةَ الحاليَّةَ إنما هي دعوةٌ لنا لنُحِبًّ ما أحبَّه هيرُونمُس، وأن نكتشفَ من جديدٍ كتاباتِه، وأن نترُكَ أنفسَنا نتأثَّرُ بالروحانيّةِ التي يمكنُ وصفُها، في جوهرِها الأكثرِ حيويّة، بأنّها شَوقٌ قَلِقٌ ومندفعٌ لمزيدٍ من المعرفةِ لإلهِ الوحيِ. كيف لا نُصغِي، في أيّامنا هذه، إلى ما حَثَّ عليه هيرُونمُس باستمرارٍ معاصرِيه: "اقرأْ كثيرًا الكتُبَ الإلهيّة، بل لا تَترُكْ يداكَ أبدًا الكتابَ المقدّس"؟».





