هند جاد

دائماً، هناك لحظات تكشف فيها واقعة صغيرة خللًا أكبر منها بكثير.

 

طالبة يتم منعها من دخول كليتها لأن بنطلونها مقطع، وطالبة ثانية يمنعها موظف أمن من دخول الجامعة بسبب طريقة ارتداء قميصها. لا يبدو هذا الأمر مطلقاً، خلافاً على الملابس. ولكنه يضعنا أمام سؤال أكثر أهمية: متى أصبح من حق موظف أمن يقف على باب الجامعة أن يمارس وصايته على ملابس الطالبات حسب تقديراته الشخصية؟!

 

أسأل بصراحة وبوضوح: إذا كانت ملابس الطالبتين غير مخالفة وغير لائقة، فمن أين جاءت سلطة المنع؟ والإجابة عن هذا السؤال لا علاقة لها بالأخلاق والذوق والاحتشام.. لأن موظف الأمن ليس قاضياً، وليس وصياً على الأخلاق، ولا حق له فى اصدار أحكام أخلافية فورية على الطالبات.

 

تطبيق التعليمات الجامعية، بجب أن تكون حسب تعليمات معلنة بدون إضافة، وبدون أن يتحول الذوق الشخصى إلى سلطة قانونية على طالبات فى مقتبل العمر. إنه الفارق بين حرية الموظف وحدود تطبيق متطلبات وظيفته التى يمكن أن تتحرك للمساحة الرمادية التى تفتح باب الفوضى. وهل يمكن لطالبة ثالثة ورابعة ترتدى نفس الملابس أن تدخل من بوابة أخرى لأن موظف الأمن قرر أنها لائقة؟

 

الجامعة مؤسسة تعليمية وتربوية مقيدة بالقواعد، وليست مجلساً أسرياً عائلياً، تخضع لأهواء من يحدد ما يجوز ارتداؤه أو غير ذلك. ومن حق هذه الجامعة أن يكون لها ضوابط قانونية وواضحة ومعلنة. وليس من حق أحد أن يضع نفسه وصياً على الطالبات. لأننا لو قبلنا هذا المنطق الأسود فلن يتوقف الأمر عند بنطلون مقطع أو قميص مفتوح. وسيصبح كل مجال قابلًا للتأويل، وسنجد بعد ذلك من يعترض على الشعر والأغنية والفكرة والمقال والرأى.

 

هيبة الجامعة ليست فى قميص الطالبة وبنطلونها. وعلينا أن نسأل: هل هيبة الجامعة أن تمنع طالبتها من حضور المحاضرات؟ وهل هيبتها فى ترقب ملابس الطالبات أم فى جودة تعليمهن وحمايتهن بكرامة؟ الجامعة ليست بحاجة إلى استدعاء نموذج الحسبة. وليس المطلوب أن يصبح لكل طالبة مراقب شخصى يقرر لها ما يجوز وما لا يجوز ارتداؤه. الجامعة فى الأساس هى مساحة للاختلاف والتعددية والحوار لكافة الطالبات بغض النظر عن درجة تدينهن وذوقهن وملابسهن. ويظل القانون والنظام المؤسسى هو ما يجمعهن.

 

تقدم المجتمع عندما نترك سؤال الملابس لنسأل عن قيمة ما تدرسه بناتنا وجودته فى رسم ملامح مستقبلهن الذى يعنى مستقبل هذا البلد.

 

إنها معركة ثنائيات فاسدة بين الحلال والحرام، وبين الفضيلة والانحلال، وبين الوصاية والتربية.

 

الأخلاق لا يحكمها منطق الوصاية، الأخلاق قواعد واقتناع والخلط بينهما هو أصل المشكلة.

نقلا عن المصرى اليوم