فاطمة ناعوت
اليومَ مساءً فى صالون «الخراط»، أناقش هذه الرواية الجميلة «صديقى أو أى لقب آخر» للكاتبة الفلسطينية «ميرا عماد»، عطفًا على رواية «رقرقة الأحلام الملحية»، للخالد «إدوار الخراط» مهندس الرواية العربية. الروايةُ التى كتبتُ عنها هنا فى عمودى الاثنين الماضى.
ومنذ عتبة العنوان، تُلقى بنا الرواية الفلسطينية فى مأزق التعريف. كيف تُسمّى ما لا اسمَ له؟ عنوانٌ مخاتلٌ، مرتبكٌ، ومُربِك؛ يترك القارئ معلّقًا بين اليقين والفراغ، تمامًا مثل «بلقيس»، بطلة الرواية، المُعلّقة بين وطنٍ لم تعشه ومنفى لا تألفه. الرواية عن صبيّة فلسطينية تعيش فى بيروت بلهجتها ومفرداتها، تدخل مخيم «عين الحلوة» فى مهمة بحث اجتماعى، بينما تُخفى وراء هذى المهمة بحثًا أعمق: عن أبٍ غائب، وعن هُويةٍ تنقصها قطعةٌ حيّة حتى تتنفس. تلتقى «نضال»، ابن المخيم، وتنشأ بينهما علاقة تبدأ بالصداقة والمراسلات، وتنتهى، كما تُحسم حكايا الشتات عادةً، بالفراق، فيمضى كلٌّ فى طريق. الرواية ليست عن قصّة حب، الحبُّ مجرد طُعْمٍ جميل وفخٍّ أنيق تقنصُ به الكاتبةُ قارئها لتضعه فى مواجهة سؤال موجع: ماذا يعنى أن تكون فلسطينيًا: لا حضن وطن تعود إليه، ولا هويّة واحدة تنتمى إليها، ولا حتى صورة واضحة متصالحة عن ذاتك؟ عندئذ يتفكّك الحبُّ، وترتبك المشاعرُ، مثلما تتشظى الهوية.
هنا ندرك كيف رُسمت شخصية «بلقيس» بريشة الوجع الحارق. فهى ليست فتاة مخيّم تتوق للخروج منه، بل فلسطينية تعيش فى لبنان، فيراها أهلُ المخيم «بيروتية» أكثر من كونها فلسطينية، وفى المقابل ترسم «بلقيس» صورةً نمطية جاهزة عن المخيّم قبل أن تختبره بنفسها، لتكتشف عوار الصورة الوهمية. هنا تتحول الرحلة إلى عبورٍ بين فلسطينيين متشظّين داخل هوية واحدة. بين صفحات الرواية يطلُّ برأسه سؤالٌ قاس: من هو الفلسطينى؟ أهو من يسكن المخيم ويحرس الذاكرة، أم من يحمل فلسطين فى صدره مهما نأى عنها؟ أتكفى اللهجة؟ أم تكفى بطاقة الهوية؟ أم يكفى الحلم بوطن حرّ تأخر إشراقُ فجرِه؟
فى المخيم، تكتشف «بلقيس» فلسطينيتَها تدريجيا. لا كخانة فى وثيقة، بل كجرحٍ فى الوعى وتشظٍّ فى الهوية، وتمزّق فى الانتماء. غريبةٌ فى لبنان لأنها فلسطينية وافدة، وغريبةٌ فى المخيم لأنها «بيروتية» دخيلة. فإذا الغربةُ ليست مكانًا تُهاجِر منه أو إليه، بل حالٌ دائمة تسكن الجسد أينما حلّ وارتحل. هنا يتضخّم غيابُ الأب ليصير معادلًا موضوعيًا لغياب الوطن: لماذا رحل أبى ـ لماذا رحل الوطن؟ لماذا تركنى أبى ـ لماذا لم يجمعنا وطن؟ أين أبى وأين الوطن؟ أسئلة تتوالد من بعضها كموار موجٍ لا يهدأ.
حين يبدأ الحبُّ على استحياء بين الصديقين/ العاشقين، يأخذ «نضال» شكل الوطن، وتتجلّى رمزية الاسم. ويأخذ «المخيم»، شكل «فلسطين» المصغّرة. لكن الرواية تنجو من فخ «الأدب السياسي» الذى يحوّل الإنسان إلى رمز أصمّ. بل تبثّ الدم فى عروق الرمز، فتجعله يحب ويغار ويشتاق ويتعذب. كذلك يتفجّر الرمزُ بالحياة فى «مملكة النساء» بالمخيم: أم هادى والأرامل اللواتى يرمّمن الحياة بالحكايا والتطريز، ليتهاوى أمامنا ذلك التصور الجاهز للمخيم بوصفه مرادفًا للبؤس والموت والذخيرة والصمت الحزين. وكأن الرواية تقول إن للمخيم وأهله حقًا فى الحياة، أو شبه الحياة.
المكان فى الرواية ليس مسرحًا صامتًا، بل شخصية تتنفس. أزقة المخيم المتلاصقة، وبيوته العشوائية التى تُصادر الخصوصية، تتحول إلى عمارة نفسية للاغتراب: جدرانٌ تبدو سترًا وهميًّا، وهى فى الحقيقة شاهدٌ يومى على القيد الإدارى والاجتماعى الذى يُطبق على الجيل الجديد. أما الرسائل فهى فعلُ تشييد لفضاء تعجز الجغرافيا عن بنائه. وهى كذلك فعل استعادة للزمن. فالهاتف يقول: «أنا معك الآن»، أما الرسالة فتقول: «كنتُ هنا، فكّرتُ فيك، أنتظر ردك». وهى بذلك أداة مقاومة تليق بشعبٍ مأساته الكبرى اقتلاع المكان والذاكرة والزمن. وبين جيلٍ يحمل مفاتيح بيوت مهجورة كرمز للعودة، وجيلٍ يبحث عن معنى حيّ هنا والآن، تُقيم الرواية فجوتها الأعمق: قضيةٌ لا تُنسى، وسؤالٌ مشروع عن كيفية الحب والعيش واكتشاف الذات وسط هذا الكم المخيف من القسوة والشتات؟
«صديقى أو أى لقب آخر» ليست رواية لجوء وحب، بل حكاية إنسان يشيّد من شتاته وطنًا من الكلمات، وينتزع من ضيق المخيم متسعًا للحب والإبداع، حتى وإن ظل الحب بلا لقب يحدّه أو يسجنه. الصديق، الرفيق، ابن الوطن، جميع الألقاب جائزةٌ إلا لقب: الحبيب. فإذا كانت «بلقيس» لا تعرف معنى أن تكون فلسطينية، فهل يعرف الحبيبان معنى أن يكونا عاشقين وسط هذا الإقصاء؟
مقام السؤال:
حين تُقتلع من الإنسان أرضُه، وتتشظى هويته، هل يصبح الحبُّ وطنه الأخير، أم أن الوطن الغائب يظل حاضرًا حتى فى أكثر القلوب حبًّا، وإنكارًا للحب؟
نقلا عن المصرى اليوم





