خالد منتصر
تحدثنا عن أنواع الذكاء التى تحدث عنها جاردنر فى كتابه أمس، ونستكمل اليوم تلك الأنواع، أولاً الذكاء الموسيقى، وهو القدرة على تمييز النغم والإيقاع والطبقات الصوتية، وتأليف الموسيقى أو أدائها وفهم بنيتها، ولا يقتصر على العزف؛ فقد يمتلكه شخص يستطيع التقاط لحن بعد سماعه مرة واحدة أو اكتشاف نشاز لا ينتبه إليه الآخرون، يمثل موتسارت وبيتهوفن أمثلة استثنائية، لكن هذا الذكاء يظهر أيضاً لدى الطفل الذى يحفظ المعلومات عندما تُقدّم له فى صورة أغنية، أو يطرق بإصبعه إيقاعاً منظماً بصورة تلقائية، الذكاء الجسدى الحركى، استخدام الجسد بمهارة للتعبير أو الإنجاز أو حل المشكلات، يظهر لدى الرياضيين والراقصين والممثلين والجراحين والحرفيين، لا يكفى أن يعرف لاعب الكرة نظرياً أين يرسل الكرة، فالجسد نفسه يجب أن يحسب القوة والاتجاه والزمن فى أجزاء من الثانية، وكذلك يد الجرّاح أو النحّات، فهى لا تنفذ أوامر العقل بصورة آلية، بل تمتلك معرفة حركية اكتُسبت بالتدريب الطويل، الذكاء الاجتماعى، هو القدرة على فهم الآخرين: دوافعهم ومشاعرهم ونواياهم، والتعامل معهم بفاعلية.

يحتاج إليه المعلم والطبيب والقائد والسياسى والمفاوض، قد يدخل شخص غرفة فيدرك فوراً أن هناك توتراً بين الموجودين، رغم عدم حديث أحد. ويستطيع المعلم الذى يمتلك هذا الذكاء معرفة الطالب الخائف أو المحبط وتغيير طريقته فى مخاطبته، وهو لا يعنى كثرة العلاقات الاجتماعية، بل دقة قراءة البشر وحسن التواصل معهم، الذكاء الذاتى، هو قدرة الإنسان على فهم نفسه، مشاعره ودوافعه ومواطن قوته وضعفه، واستخدام هذه المعرفة فى تنظيم حياته واتخاذ قراراته، يظهر هذا الذكاء لدى الشخص الذى يدرك سبب غضبه قبل أن ينفجر، أو يعرف أن خوفه من الفشل هو الذى يدفعه إلى تأجيل العمل.

وقد يمتلك الإنسان ذكاءً اجتماعياً يجعله يفهم الآخرين، لكنه يفتقر إلى الذكاء الذاتى فلا يفهم نفسه، الذكاء الطبيعى هو القدرة على ملاحظة الكائنات والظواهر الطبيعية وتصنيفها والتمييز بينها، يظهر عند علماء النبات والحيوان والجيولوجيا والمزارعين وأصحاب الخبرة بالبيئة، فالطفل الذى يميز أنواع الطيور والأشجار، أو يلاحظ فروقاً دقيقة بين الصخور والحشرات، يمارس هذا الذكاء، وقد أضاف جاردنر هذا النوع لاحقاً إلى الذكاءات السبعة الأولى، ليصبح عدد الذكاءات المعتمدة لديه ثمانية، ناقش جاردنر كذلك احتمال وجود ذكاء وجودى، يتصل بالأسئلة الكبرى عن الموت والمعنى وأصل الكون ومصير الإنسان، ويظهر لدى الفلاسفة والمفكرين ورجال الدين. لكنه لم يمنحه الوضع العلمى نفسه الذى منحه للأنواع الثمانية، لعدم توافر أدلة كافية تحدد أساسه العصبى واستقلاله، الرسالة الأهم فى الكتاب ليست أن نضع على كل إنسان ملصقاً يحدد «نوع ذكائه»، بل أن نتوقف عن قياس العقول بمسطرة واحدة، وهو يحذر ضمنياً من تحويل النظرية إلى اختبارات سطحية على الإنترنت أو إلى «أساليب تعلم» ثابتة؛ فالإنسان لا ينبغى أن يتعلم دائماً بالطريقة التى يفضلها، بل يمكنه تنمية قدراته بطرائق متنوعة، وفى المدرسة، لا تعنى النظرية تدريس المعلومة نفسها بثمانى طرق فى كل مرة، وإنما منح الطلاب أكثر من مدخل للفهم وأكثر من وسيلة لإظهار ما تعلموه.

يمكن شرح الدورة الدموية بالنص، والرسم، والنموذج المجسم، والحركة، والعمل الجماعى؛ لكن الهدف يظل الوصول إلى فهم علمى دقيق، لا مجرد الترفيه، تبقى نظرية جاردنر مؤثرة تربوياً وإن كانت محل خلاف علمى، إذ يرى منتقدون أن بعض ما يسميه «ذكاءات» أقرب إلى المواهب والمهارات، وأن البحوث النفسية ما زالت تؤيد وجود قدرة عقلية عامة مترابطة. لكن القيمة الإنسانية الكبرى للكتاب تظل واضحة، الفشل فى نوع واحد من الاختبارات لا يعنى فشل العقل، فقد يكون الذكاء حاضراً، لكننا نبحث عنه فى المكان الخطأ.
نقلا عن الوطن