حنان فكرى

لم تبق الأمم المتحدة هذا الأسبوع داخل قاعتها الشهيرة ذات السقف المرتفع والمقاعد الخضراء، لكنها خرجت منها إلى شاشة الهاتف في صورة ببغاوات، وإلى شوارع نيويورك في صورة مواكب لا تنتهي، وإلى الفنادق والمداخل والحواجز الأمنية، حتى وصلت المفارقة إلى حد أن رئيسًا إيرانيًا جاء إلى المدينة التي تخوض بلاده حربًا مع الولايات المتحدة، وسط حماية أمنية أمريكية وقيود أمريكية على حركته. وفي الداخل كانت الدول تتحدث بلغة البيانات والمواقف والاتهامات. وفي الخارج، كانت نيويورك تروي نسخة أخرى من الحكاية.

 

أسبوع الجمعية العامة، كما عايشته في نيويورك، خلال الأسبوع الماضي، وجدت خلاله أن الحكاية لا تسكن المنصة وحدها، فما رأيته بعيني لم يكن مجرد خطب سياسية متتابعة. كان مشهدًا تتزاحم فيه الدبلوماسية والأمن والإعلام، حتى إن التفاصيل التي تبدو هامشية أحيانًا أصبحت جزءًا من القصة الكبرى. وكان ضمنها منع الصحفيين من دخول القاعة بسب تزايد الأعداد وكان عليهم الانتظار أربع ساعات ليتمكنوا من دخول مقصورة الإعلاميين، عاد منهم من عاد، وافترش الأرض من افترش، ومن وجد مقعدًا على باب القاعة دون دخول جلس بصحبة لاب توب لينجز أخباره.

 

في اليوم الأول، كانت الكلمات ثقيلة بما يكفي لملء قاعة الجمعية العامة. قادة دول انتقدوا إسرائيل بسبب حرب غزة، وتحدث آخرون عن الضفة الغربية والاستيطان ولبنان. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش حذر من أن توسع المستوطنات في الضفة الغربية يقوض فرص السلام، بينما دعا العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى إجراءات دولية ضد إسرائيل. والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رد على حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن انتهاء الحرب في غزة بالتأكيد أن وقف الحرب لم يؤد حتى إلى استئناف المساعدات الإنسانية.

 

ثم خرج الرد الإسرائيلي من القاعة إلى منصة أخرى تمامًا. هي حساب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نشر على منصة «إكس» فيديو يبدو مولدًا بالذكاء الاصطناعي، تظهر فيه ببغاوات على منصة الأمم المتحدة، وهي تردد عبارة "لوم إسرائيل" فجأة، أصبحت القاعة الخضراء ذات التاريخ الدبلوماسي الطويل مسرحًا على وسائل التواصل الاجتماعي. لم تعد المعركة على الرواية تحتاج إلى بيان من عدة صفحات.

 

«ببغاء» يكفي

الفيديو حمل رسالة إسرائيلية واضحة: الانتقادات التي تتكرر ضدها، في نظر مكتب نتنياهو، أصبحت أشبه بترديد آلي لعبارة واحدة، لكن المفارقة أن الرد نفسه جاء في صورة تكرس لغة العصر الجديد: صورة ساخرة، قصيرة، مصممة للهاتف، وقابلة للانتشار أسرع من أي بيان دبلوماسي. وهكذا بدا أن الأمم المتحدة خرجت من القاعة قبل أن ينتهي المتحدثون من خطبهم.

 

المنصة بقيت للدبلوماسيين، لكن الردود بدأت تعيش على شاشات الهواتف.

 

كانت الرسالة واضحة: كل من ينتقد إسرائيل، في نظر الفيديو، ليس سوى ببغاء يكرر ما يقوله الآخرون. لكن المفارقة أن الببغاوات، التي أرادها أصحاب الفيديو دليلًا على غياب الأصالة عن الانتقادات، بدت وكأنها تلخص مشهدًا أوسع: قاعة دولية تضج بالكلمات، وحرب مستمرة تفرض أسئلتها على العالم، بينما يتحول الرد على الانتقاد أحيانًا من مناقشة الوقائع إلى السخرية من أصحابها.

 

نيويورك تدفع ثمن حضور العالم

أما خارج المبنى، فكانت الحكاية أكثر واقعية. نيويورك لم تكن بحاجة إلى مشاهدة الببغاوات كي تعرف أن الجمعية العامة بدأت.

 

يكفي أن تحاول عبور مانهاتن. ففي اليوم الأول ظللت واقفة لمدة ساعة كاملة خلف الحواجز بسبب مرور ترامب ومعي عشرات الصحفيين والمندوبين الذين اضطروا للانتظار في مخرج ولا مدخل حتى يمر، أعلنت المدينة أيام الأسبوع رفيع المستوى أيام "Gridlock Alert"، أي استثناء وزحام، وهي الفترة التي تتوقع فيها السلطات أن تكون حركة السيارات في أسوأ حالاتها بسبب وصول مئات الرؤساء ورؤساء الحكومات والوفود وحركة مواكبهم بين مقر الأمم المتحدة والفنادق والاجتماعات. وتقول بيانات النقل في المدينة إن متوسط سرعة المركبات في وسط مانهاتن خلال أسبوع الجمعية العامة ينخفض تاريخيًا إلى أقل من أربعة أميال في الساعة.

 

الأرقام تبدو بسيطة، لكن الشارع يحولها إلى تجربة كاملة. موكب يمر، فيتوقف الشارع. رئيس يصل، فتتغير الإشارة. سيارة سوداء تعبر، فتظهر خلفها سيارات أخرى. ثم يغلق شارع. وتفتح نقطة تفتيش. وتتحول السيارات إلى شارع آخر، فيزداد ازدحام الشارع الآخر فضلا عن القبضة الأمنية الفائقة لكل التصورات. هذا العام أغلقت أجزاء من First Avenue و42nd Street ومناطق أخرى حول مقر الأمم المتحدة، مع إغلاقات متحركة كلما تحركت الوفود. وقالت شرطة نيويورك إنها ستؤمّن مئات المواكب خلال الأسبوع.

 

وفي اليوم الأول، زاد المشهد ارتباكًا بعد بلاغ عن جسم مشبوه قرب East 43rd Street وThird Avenue. استدعى البلاغ فرقة المتفجرات، وأغلقت الشرطة المنطقة، قبل أن يتبين أن الجسم غير خطير.

 

وهكذا صار للأسبوع رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين صوت آخر لا تسمعه داخل القاعة.صوت أبواق السيارات.

 

رئيس إيران.. ضيف في مدينة تحاصره

وسط كل هذا، وصل المشهد إلى مفارقته الأوضح مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. الولايات المتحدة وإيران في حالة حرب، ومع ذلك كان على واشنطن أن تسمح للوفد الإيراني الأساسي بدخول البلاد للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة، التزامًا بالتزاماتها كدولة مضيفة لمقر المنظمة. وقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن «الوفد الأساسي» سيتم السماح له بالدخول، مع كونه أصغر من وفد العام السابق. لكن التأشيرة لم تعنِ أن نيويورك أصبحت مفتوحة أمام الوفد الإيراني؛ إذ تم فرض قيود على حركة الوفد، كما شملت القيود أمورًا مثل التسوق في بعض المتاجر وشراء السلع الفاخرة. مدينة بحجم نيويورك، بكل ما فيها من مطاعم ومتاجر وشوارع وحدائق، تُختصر فجأة إلى مسار أمني محسوب.

 

الفندق. الأمم المتحدة. الاجتماعات. ثم العودة بدون جولة سياحية في مانهاتن، ولا نزهة عابرة في سنترال بارك، ولا حتى حرية الحركة، التي يتمتع بها عادة ضيف دبلوماسي جاء إلى عاصمة العالم.

 

ومع ذلك، هناك مكان واحد لا تستطيع هذه القيود أن تغلقه وهو منصة الأمم المتحدة. فالرئيس الإيراني، الذي تحرك داخل نيويورك بقيود صارمة، حصل في المقابل على فرصة نادرة للحديث أمام العالم من قلب المؤسسة الدولية. إنها فرصة استثنائية لطهران لعرض روايتها في وقت تخوض فيه حربًا مع الولايات المتحدة.

 

وهكذا تكتمل الصورة، الحواجز في الشارع، والحراسة في الفندق، والموكب على الطريق، وفي مبنى الأمم المتحدة، الميكروفون.

 

ربما هذه هي الصورة الأصدق للأسبوع رفيع المستوى هذا العام. الأمم المتحدة ليست فقط ما يحدث عندما يصعد رئيس دولة إلى المنصة. هي أيضًا ما يحدث عندما ينزل منها. فببغاوات الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءًا من المعركة على الرواية.

 

المواكب جعلت شوارع نيويورك جزءًا من الحدث. الحواجز الأمنية حولت محيط المنظمة إلى منطقة شديدة الحساسية. والرئيس الإيراني قدم واحدة من أكثر مفارقات الأسبوع وضوحًا: ضيف من دولة في حرب مع الدولة المضيفة، يدخل أراضيها تحت قيود مشددة، ثم يقف داخل مؤسسة دولية ويخاطب العالم. حتى الأمم المتحدة نفسها بدت وكأنها تعيش بين عالمين. عالم قديم ما زال يؤمن بالمنصة والخطاب والبيان. وعالم جديد يفضل الفيديو القصير، والصورة الساخرة، والمحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي. وبين العالمين، كانت نيويورك تؤدي دورها المعتاد: مدينة تستضيف الجميع، ثم تتوقف شوارعها قليلًا حتى يمر العالم.

 

ثم تحل عاصفة قوية تدعى "نورث إيستر" لتضرب الساحل الشرقي من أمريكا وخاصة نيويورك، فيكتمل المشهد ارتباكًا، فتضطر الأمم المتحدة إلى إرسال رسائل إلكترونية لجميع الصحفيين وأعضاء وسائل الإعلام، لإزالة خيامهم ومراكزهم الصحفية، تحسبًا لقدوم العاصفة من الرابعة عصر الجمعة وإغلاق المركز الإعلامي تمامًا يوم السبت، وهو ما لم يحدث من قبل خلال الأسبوع رفيع المستوى حتى في عطلة الأسبوع. بل إن الرسالة التي وصلت للصحفيين والإعلاميين أرشدتهم للمتابعة عبر البث الحي لتليفزيون الأمم المتحدة فقط حرصًا على سلامة الجميع.

 

وهكذا، لم تكن الجمعية العامة هذا العام مجرد منصة للخطب، بل مسرحًا خرجت فيه السياسة من الميكروفونات إلى الشوارع والشاشات، حتى كادت الببغاوات تسرق الأضواء من أصحاب الكلمات، والمواكب تبتلع المدينة، والرئيس الإيراني يعبر المفارقة من بوابة أمريكية إلى منبر دولي. ثم جاءت العاصفة لتطفئ أضواء المشهد، وتعيد الصحفيين إلى شاشاتهم، كأنها تقول إن العالم، بكل رؤسائه وحراسه وخطبه، لا يملك السيطرة على كل شيء. في نيويورك، اجتمع العالم ليتحدث عن مصيره، فانتهى أسبوعه بببغاوات على المنصة، وحواجز في الشوارع، وعاصفة تفرض كلمتها الأخيرة.

 

 

فرضت التفاصيل الصغيرة نفسها على أجندة العالم، بدءًا من الببغاوات وصولًا إلى العاصفة كانت جميعها تفاصيل مختلفة لأسبوع أممي استثنائي، عايشناه في المدينة التي اجتمع فيها العالم ليتحدث عن مصيره، قبل أن تكتب نيويورك بطقسها ومفارقاتها نهاية الأسبوع.

نقلا عن المصرى اليوم