(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)

ثامنًا: نياحتُه ونَصُّ وصيّته الرّوحيّة
في السّاعة 9:34 (بتوقيت روما) من صباح يوم السّبت الموافق الـ31 من ديسمبر/كانون الأول للعام 2022، بدَيْر "ماتِر إكّليسيى" ("أمّ الكنيسة") الواقع في الفاتيكان، تنيّح البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر، عن عمر يناهز الـ96 عامًا. وقد دُفِن في إحدى المقابر الموجودة أسفل كاتدرائيّة القدّيس بطرس بالفاتيكان، والمخصَّصة للباباوات، في الـ5 من يناير/كانون الثّاني للعام 2023. وفي وصيّته الرّوحيّة، التي كتبها في الـ29 من أغسطس/آب للعام 2006 (العام الثّاني من حبريّته)، بعد مراجعة وجيزة ومركَّزة لمسيرة حياته، وتقديم الشّكر لله والعائلة والآخرين، أَحَثَّ المؤمنين على الثّبات في الإيمان رغم التّحوُّلات والتّقلُّبات المصاحبة لعصرنا:

«ابقوا راسخين في الإيمان! لا تسمحوا لأحد بأن يربكم! غالبًا ما يبدو أنَّ العلم– العلوم الطّبيعيّة من جهة والبحث التّاريخيّ (ولا سيّما تفسير الكتاب المقدّس) من جهة أخرى– قادرًا على تقديم نتائج غير قابلة للجدل ضدّ الإيمان الكاثوليكيّ. لقد عشتُ تحوُّلات العلوم الطّبيعيّة منذ زمن بعيد، وتمكّنتُ أن أتحقّق، على العكس، كيف تلاشت بعض القناعات الظّاهريّة ضدّ الإيمان، متّضِحة أنّها ليست علمًا، وإنّما مجرّد تفسيرات فلسفيّة تتعلّق ظاهريًّا فقط بالعلم؛ وكذلك كيف، من جهة أخرى، تعلّم الإيمانُ أيضًا في إطار الحوار مع العلوم الطّبيعيّة أن يفهم على نحو أفضل حدود نطاق تصريحاته، وبالتالي تخصّصه. منذ ستين عامًا وأنا أرافق مسيرةَ علم اللّاهوت، ولا سيّما العلوم البيبليّة، ومع تعاقب الأجيال المختلفة رأيتُ انْهِيَار أطروحات قد بدت وكأنّها غير مُتَزَعزِعة، واتّضح أنّها مجرّد فرضيّات فقط: أعني الجيل اللّيبراليّ (هارناك، جيوليشر، وغيرهما)، الجيل الوجوديّ (بُولْتمانّ وغيره)، الجيل الماركسيّ. لقد رأيتُ ولا أزال أرى كيف ظهرت وتظهر مجدَّدًا معقوليّةُ الإيمان عبر تشابك الفرضيّات. إنَّ يسوعَ المسيح هو حقًّا الطَّريق والحَقّ والحَياة– والكنيسة، على الرّغم من نقائصها، هي حقًّا جسده» .

تاسعًا: دروسٌ مستقاة من شخصيّته وحياته وتعاليمه
في نهاية المطاف، نودّ الإشارة إلى بضعة أمور بارزة متعلّقة بمسيرة البابا المنتقل راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر كمسيحيّ وعَالِم لاهوت وقائد دينيّ وبابا، وهي بمثابة دروس مستقاة من شخصيّته وحياته وتعاليمه– على الأقلّ في وجهة نظرنا. الدّرس الأوّل هو ارتباطه بالحقيقة ارتباطًا وثيقًا، على مدار حياته بأسرها وفي كلّ الظّروف وأصعبها؛ فكحَاجّ للحقيقة قد أدرك طوال مسيرته الحافلة بالأشخاص والمواقف والأحداث أنّ ارتباطه بالحقيقة يعني ارتباطه بشخص المسيح، "الطَّريق والحَقّ والحَياة" (يو 14/ 6). وكذلك نادى أيضًا بامتزاج الحقيقة والمحبّة في حياة المسيحيّين (أف 4/ 15)، ولا سيّما في حياة خُدّام وخادمات الإنجيل؛ ممّا يجعله ينال لقب "بابا الحقيقة والمحبّة" بامتياز. لقد أعلن باستمرار أنّه: «في المسيح، تتزامن الحقيقةُ والمحبّةُ. فبمقدار اقترابنا من المسيح تمتزج الحقيقةُ والمحبّةُ في حياتنا أيضًا. إنَّ المحبّة بدون الحقيقة ستكون عمياء؛ والحقيقة بدون المحبّة ستكون مثل "صَنْج يَرِنّ" (1 كو 13 /1)» . 

أجل، «في المسيح، تتخذُ المحبةُ في الحقيقةِ وجهَ شخصٍ، وتغدو دعوةً موجهةً لنا لنحبَّ إخوتِنا في حقيقةِ خطّتِه. فهو الحقيقةُ نفسُها» (الرّسالة العامّة "المحبّة في الحقّ"، بند 1) . «بدون الحقِ تتحولُ المحبةُ إلى مجردِ نزعةٍ عاطفيةٍ. ويغدو الحبُّ قوقعةً فارغةً يُسعى إلى ملئها بشكلٍ اعتباطي. هذا هو خطرُ المحبةِ المحتومِ في ثقافةٍ تفتقدُ إلى الحقِ. فهي فريسةُ إنفعالاتِ الأشخاصِ وآرائِهم المتغيرة، وكلمةٌ قد استُغِلَّت وحُرِّفَت، حتى صارت تعني ما هو نقيضُها. الحقُّ هو الذي يُحرِّرُ المحبةَ من أسرِ النزعاتِ العاطفية التي تحرمُها المضمونَ العلائقي والإجتماعي، وهو يُحرّرُها أيضاً من نزعتِها الإيمانيةِ المُعارضةِ للعقلِ، التي تحرمُها البُعدَ الإنساني والشمولي. من خلال الحقِ تعكسُ المحبةُ البُعدَ الشخصيّ والعامَ للإيمانِ بإله الكتابِ المقدسِ، الذي هو في آنٍ واحد "أغابي" و"لوغوس": محبةٌ وحقٌ، حبٌّ وكلمة» (الرّسالة العامّة "المحبّة في الحقّ"، بند 3) .

إنَّ الدّرسَ الثّاني هو العلاقة والحوار بين الإيمان والعقل، فهو "بابا الإيمان والعقل": «لن يخلص العقلُ بدون الإيمان، ولكنّ الإيمانَ بدون العقل لن يكون إنسانيًّا» . فبالنسبة له، يتعلّق الأمر بإيمان عاقل وعقل مستنير بالإيمان. ومن أقواله الأخرى عن الإيمان: «ما يملأني بالدّهشة ليس الكفر، وإنّما الإيمان. وما يفاجئني ليس الملحد، وإنّما المسيحيّ»؛ «علينا أنْ نحرِّر أنفسنا من الفكرة الخاطئة القائلة بأنّ الإيمان لم يعد لديه ما يقوله لأُناس اليوم». وفي هذا المضمار أيضًا، علينا أن نقرّ بأنّ الإيمان الذي اعترف به البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر، وأعلنه أمام الجميع، هو عينه الإيمان الذي عاشه طوال مسيرته؛ فثمّة توافق وانسجام بين "الإيمان المُعتَرف به" و"الإيمان المعاش" في حياته وشخصيّته. 

والدّرسُ الثّالث هو الوَحدة بين المسيح والكنيسة؛ فلا يمكن للمرء أن يكون "مسيحيًّا" بدون أن يكون "كنيسة"، وفقط "في الكنيسة" يمكن أن يكون مسيحيًّا وليس "على هامش الكنيسة" : «إنَّ يسوعَ المسيح هو حقًّا الطَّريق والحَقّ والحَياة– والكنيسة، على الرّغم من نقائصها، هي حقًّا جسده» .

أمّا عن الدّروس الأخرى، فيمكن ذكر ما يلي، دون الاستفاضة في الشّرح، فرُبَّما نكرّس لهذا الأمر مقالًا على حِدَة: الكرازة بالمسيحيّة كديانة اللّوغُس؛ محبّة الكنيسة والتّفاني في خدمتها بشتّى الطّرق؛ المِصداقيّة في الأقوال والأفعال واتِّساقهما معًا؛ السّباحة ضدّ التّيار والتّقليعات الجديدة؛ التّألُّم في صمت وصلاة؛ الاجتهاد والجديّة في البحث الثّيولوجيّ؛ الشّخصيّة الثِّيولوجيّة العميقة. 

خَاتمةٌ
لا شكّ أنَّ البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر هو واحد من أكبر وأهمّ علماء اللّاهوت في عصرنا الحالي– سواء اختلفنا أو اتّفقنا حول فكره وشخصيّته، وقد شكّل ولا يزال يشكّل أجيالًا من علّماء اللّاهوت والمسيحيّين من جميع الأعمار. ويمكن الرّجوع إلى كِتابات هذا المعلِّم القدير باللّغة الألمانيّة، أو عبر التّرجمات المختلفة. إنّنا بحقٍّ أمام بابا نهاية حقبة سالفة وبداية حقبة قادمة. وثمّة رغبةٌ تختلج صدور كثير من المؤمنين الكاثوليك، وربّما نرأها تتحقّق في يوم من الأيّام، وهي إعلان قداسته "مِلفانًا" أو "معلِّمًا" في الكنيسة الجامعة.

وأخيرًا، لا يسع "شعب الله الأمين" إلّا أن يوكل إلى الله المنتقلَ البابا راتسينغر-بِنِديكْتُس السَّادس عشر، ويتوجّه إلى البابا الرّاحل بكلمات البابا فرنسيس عينها التي نطق بها في قدّاس جنازة سَلَفَه (الـ5 من يناير/كانون الثّاني للعام 2023): «بندكتس، صديق العريس المخلِص، ليكن فرحك كاملًا في سماع صوته نهائيًا وإلى الأبد!» .

[مقالةٌ نُشِرت في مجلّة "نور على الطريق" (التابعة لمعهد التربيّة الدينيّة بالسكاكيني)، في عددها الأوّل للعام 2024 (رقم 145/ 750)، ص. 1-23].