نيفين سوريال
روح الكذب من أخطر ما يمكن أن يسيطر على حياة الإنسان، لأن خطورة الكذب لا تتوقف عند كلمة غير حقيقية ينطق بها الإنسان، بل تبدأ المشكلة الحقيقية عندما يتحول الكذب إلى أسلوب حياة، فيعتاد الإنسان أن يخفي الحقيقة، ويزيّف الواقع، ويبرر أخطاءه، حتى يصبح الصدق غريبًا بالنسبة إليه.

فالإنسان الذي يعيش سنوات طويلة في الكذب قد يصل إلى مرحلة لا يصدق فيها الآخرين بسهولة، لأنه ينظر إليهم من خلال الطريقة التي اعتاد هو أن يعيش بها. فإذا كان معتادًا على الخداع، فقد يتوقع الخداع من الآخرين، وإذا اعتاد إخفاء الحقيقة، فقد يشك في صدق من حوله حتى عندما يتحدثون إليه بأمانة.

وهنا تظهر واحدة من أخطر ثمار الكذب: فقدان الثقة.

يقول الكتاب المقدس:

«لِذلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ، وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ»
(أفسس 4: 25).

لماذا يأمرنا الكتاب بطرح الكذب؟ لأن الكذب لا يؤذي الآخرين فقط، بل يؤذي الإنسان نفسه أيضًا. إنه يشوّه قدرته على رؤية الحقيقة ويزرع داخله الشك والخوف وعدم الأمان.

والأخطر أن الإنسان قد يحمل معه هذا الشك إلى علاقته بالرب.

فعندما يقول الله: «أنا معك»، قد يشك. وعندما يعده الرب، قد يتساءل: هل سيفي بوعده؟ وعندما يقرأ كلمة الله، قد يجد صعوبة في تسليم قلبه لها بالكامل.

ليس لأن الله غير أمين، بل لأن الإنسان الذي عاش طويلًا وسط الكذب قد أصبح يحتاج أن يتعلم الثقة من جديد.

أما الكتاب فيعلن عن الله:

«لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ»
(العدد 23: 19).

ويقول الرب يسوع:

«أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ»
(يوحنا 14: 6).

فالرب لا يقول الحق فقط، بل يعلن المسيح عن نفسه أنه الحق.

وفي المقابل، ربط المسيح إبليس بالكذب عندما قال عنه:

«لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ»
(يوحنا 8: 44).

لذلك فالمعركة بين الصدق والكذب ليست أمرًا بسيطًا في الحياة الروحية. الكذب يقود الإنسان إلى الظلمة، أما الحق فيقوده إلى النور والحرية.

ولهذا قال المسيح:

«وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ»
(يوحنا 8: 32).

والتحرر يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن تبرير الكذب ويواجه نفسه أمام الله بصدق. يعترف عندما يخطئ، ويتكلم بالحق حتى عندما يكون الحق صعبًا، ويتعلم أن يثق في كلمة الله أكثر من مخاوفه وشكوكه.

فالإنسان الذي اعتاد الكذب يحتاج أن يتعلم الصدق، والإنسان الذي عاش في الشك يحتاج أن يتعلم الثقة، والإنسان الذي عاش طويلًا في الظلمة يحتاج أن يقترب من النور.

لأن الكذب يبني جدرانًا بين الإنسان والآخرين، أما الصدق فيعيد بناء الثقة.

لا تجعل الكذب عادة، لأن العادة قد تتحول إلى قيد. ولا تسمح للكذب أن يجعلك تشك في الحق، وخصوصًا في أمانة الله. فالناس قد يكذبون، والناس قد يخلفون وعودهم، أما الله فلا يتغير.

«إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا»
(2 تيموثاوس 2: 13).