القمص يوحنا نصيف
نواصل مناقشتنا للأسئلة السبعة التي طرحنا في المقال الماضي، بعد أن عرضنا نموذج الكارز العظيم القدّيس بولس الرسول، الذي كانت معجزات الشفاء تُجرَى على يديه بينما هو يعاني من مرض مُزمِن بلا شفاء!
+ من المبادئ المسيحيّة الهامّة أنّه لا يصحّ أن نعلِّق إيماننا على بعض المعجزات.. فإيماننا يُبنَى على كلام الله الحيّ، ووعوده الصادقة، وتسليم الحياة بالكامل له، وحمل الصليب والسير معه في الطريق الضيِّق، واختبار حضوره في الصلاة وقراءة الكلمة الإلهيّة والأسرار، وليس على معجزات.. كما لا ينبغي أن ننسى أبدًا كلام الربّ يسوع: "طوبي للذين آمَنوا ولم يروا" (يو20: 29).
+ ليس كلّ ما نسمعه من معجزات، نحن ملتزَمون بأن نصدِّقه.. فالمعجزات موجودة في حياتنا على مستوى شخصي كلّ يوم، ونحن نؤمن أن الله لا يتركنا أبدًا، وهو يرعانا ويحفظنا ويدبِّر حياتنا.. لذلك ما نسمعه من معجزات يمكننا أن نقبله ببساطة أو لا نقبله، وهذا لا يؤثِّر على إيماننا بالله أبدًا!
+ إنّ الله لا يُدير العالم بالمعجزات بل بقوانين طبيعيّة ثابتة، وتأتي المُعجزات أحيانًا كاستثناءات.. فلا يجب أن نطلب حدوث المعجزات معنا باستمرار، أو نعتبرها قاعدة أساسيّة في الحياة.
+ القديسون يؤكِّدون لنا باستمرار أنّهم أعضاء أحياء معنا في جسد المسيح؛ يُصَلُّون من أجلنا، ويُفَرِّحون قلوبنا من آن لآخَر بمساعدتنا في بعض المواقف بشكل واضح.. ولكنّهم يهتمُّون بالأكثر بتوبتنا وجدِّيتنا في الحياة الروحيّة من أجل خلاص أنفسِنا.
+ لقد علّمنا ربنا يسوع ألاّ نَطلُب سوى ملكوت الله وبرّه، ووعدَنا أنّ باقي الأمور التي نحتاجها سوف تُزاد لنا (مت6: 33).. أي أنّنا لا ينبغي أن نطلب معجزات ماديّة، بل نطلب فقط خلاص نفوسنا؛ نطلب نعمة المحبّة لتملأ قلوبنا.. نعمة الوداعة.. نعمة الطهارة.. نعمة التواضع.. نعمة الحكمة... نحصر طلباتنا في أن يملك الله على حياتنا ويملأنا ببرّه!
+ يكون هناك أحيانًا بعض المبالغات وعدم الدِّقة في نقل أخبار المعجزات من البعض، وهذا شيء منتشر في مجتمعاتنا.. وقد يكون سرد الأحداث مخلوطًا بالانطباعات والرؤى الشخصيِّة.. وربّما تكون الأحداث طبيعيَّة تمامًا والبعض يعتبرها معجزة كبيرة، للتباهِي بها، وهذا بالطبع سلوكٌ غير سليم بل ومُضِرٌّ روحيًّا.
+ مع ظهور وانتشار الميديا الحديثة، صارت هناك فرصة لنشر المعجزات الحقيقيّة بأسلوب أمين ومُوَثَّق.. كما أصبح هناك أيضًا فرصة أكبر لتلفيق أخبار عن معجزات غير حقيقيّة، من أجل لفت النظر وكسب جماهير من المعجَبين أو ربح بعض الأموال.. وفي هذا تضليل وتشويه لمسيحيّتنا بكلّ أسف!
+ يُعَلِّمنا القدّيس بولس الرسول أنّ الآيات هي ليست للمؤمنين بل لغير المؤمنين كي يؤمنوا (1كو14: 22)، أمّا المؤمنون فيحتاجون إلى التغذية المستمرّة بكلمة الله، لكي يزيدوا في المحبّة والمعرفة والإثمار لمجد الله وبنيان الكنيسة.
+ نحن كمسيحيّين نعيش على مستوى المعجزة كلّ يوم، من خلال عناية الله بنا واختبار عمل روحه القدّوس فينا، فهو الذي يقود توبتنا، ويعزّينا في كلّ ضيقاتنا، ويرشدنا إلى جميع الحقّ، ويُشَكّل فينا صورة المسيح، ويُذَكِّرنا بكلّ ما قاله لنا.. فإذا كُنّا نعيش هكذا على مستوى المعجزة في حياتنا الداخليّة، فإنّنا لا نحتاج لمعجزات خارجيّة وغَيبيّات ننبهر بها وتسحبنا وراءها!
+ بالطبع يستطيع الشيطان وأعوانه أن يعملوا معجزات في حدود معيّنة، لكي بواسطتها يتمّ تشتيت هدف واهتمامات الناس عن خلاص نفوسهم، أو تضليل البعض عن الإيمان المستقيم، كما جاء في أحاديث تحذيريّة للسيّد المسيح (مت24: 24، مر13: 22).. وقد جاء أيضًا في سِفر الرؤيا (ص13) أنّ هناك معجزات مُبهِرة ستتمّ بقوِّة الشيطان، مِنها إنزال نار من السماء.. وهنا تظهر خطورة كبيرة على الذين يُعَلِّقون إيمانهم على المُعجزات وليس على العِشرة الحيّة مع المسيح، فمثل هؤلاء يمكن تضليلهم بسهولة!
+ هكذا تظهر خطورة السعي وراء المعجزات، فإنّ فخاخ الشيطان ستصطاد مثل هؤلاء بالآيات والعجائب الكاذبة؛ أمّا الذين يهتمّون بتقوية روابط المحبّة مع المسيح، ويتذوّقون حلاوة تنفيذ وصاياه المُحيية، فلا يلتفتون إلى المعجزات ولا يسعون أبدًا إليها. يكفيهم فقط محبّته المبذولة أمامهم كلّ يومٍ على المذبح، ويُشبِعهم تمامًا التناول من جسده ودمه الأقدسَين؛ ففي هذا خلاصهم وغفران خطاياهم وحياتهم الأبديّة، كما نصلّي في كلّ قدّاس.
القمص يوحنا نصيف





