محرر الأقباط متحدون
افتتح رئيس إيطاليا'>مجلس أساقفة إيطاليا الكاردينال ماتيو زوبي، يوم أمس الاثنين أعمال المجلس الدائم للأساقفة الإيطاليين المنعقد في العاصمة روما من الحادي والعشرين ولغاية الثالث والعشرين من الجاري، وألقى كلمة سلط فيها الضوء على ضرورة تجديد رسالة الكنيسة في إيطاليا، وتعزيز حضورها في المجتمع، مشددا على أهمية التمسك بالحوار والسلام ومساعدة فئات المجتمع الأكثر ضعفاً.

قال نيافته في مداخلته إن المرحلة المقبلة تتطلب إعطاء استمرارية للمقترحات التي تمخضت عن المسار السينودسي للكنيسة الإيطالية، ولا سيما وثيقة "خميرة السلام والرجاء"، بالإضافة إلى مواصلة البحث في إصلاح النظام الأساسي لمجلس الأساقفة. وشدد على أن الإصغاء المتبادل وتقاسم المسؤوليات والعمل المشترك ليست مجرد قضايا تنظيمية، بل هي جزء لا يتجزأ من رسالة الكنيسة نفسها.

هذا ثم أكد زوبي أن وحدة الكنيسة لا ينبغي أن تكون وسيلة للانغلاق، بل قوة للوصول إلى العالم ونقل الإنجيل إليه، داعياً الأساقفة إلى العناية المتبادلة، وتحمل الأعباء معاً، والحفاظ على حرية النقاش والصراحة مع الاستمرار في الإصغاء. ورأى نيافته أن الكنيسة، في مجتمع تضعف فيه الروابط الإنسانية وحيث يصبح الانفصال أكثر سهولة، تستطيع أن تكون منارة للرجاء من خلال علاقات تقوم على المحبة والقرب.

بعدها استذكر رئيس إيطاليا'>مجلس أساقفة إيطاليا الكاردينال كاميلو رويني، الذي توفي في حزيران يونيو الماضي، مشيداً بخدمته الطويلة للكنيسة الإيطالية، ومشيرا إلى أن الراحل كان مهتماً بحضور الكنيسة في المجتمع، وبمنع اختزال الإيمان في تجربة خاصة وشخصية، مؤكداً أهمية إرثه في الحوار مع قضايا العصر وفي بناء ثقافة مسيحية وإنسانية.

على صعيد آخر، شدد زوبي على ضرورة أن يكون إعلان الإنجيل مرتبطاً بحياة الناس اليومية، وألا يتحول إلى خطاب منفصل عن الواقع. ونقل عن البابا لاون الرابع عشر تأكيده أن الأولوية هي للإنجيل، وأن الكنيسة مطالَبة بأن تكون أقل انشغالاً بالمحافظة على ما لديها وأكثر حرية في إعلان المسيح. وقال نيافته إن الكنيسة لا تستطيع الاكتفاء بالحديث إلى من يصغون إليها أصلاً، بل عليها أن تلتقي بالناس وتستمع إلى أسئلتهم، وأن تنفتح على مجالات العلم والفن والسياسة والثقافة، وعلى مختلف المساحات التي يفهم الإنسان من خلالها ذاته ويبني مستقبله.

هذا ثم ربط رئيس إيطاليا'>مجلس أساقفة إيطاليا بين الإيمان والعمل الاجتماعي، مشدداً على أن القرب من الإنسان لا يقتصر على المبادرات الفردية، بل ينبغي أن ينعكس أيضاً في الثقافة والقوانين والخيارات السياسية والاقتصادية. وأشار إلى قضايا المهاجرين، داعياً إلى سياسات قادرة على الاستقبال والحماية والتعزيز والاندماج، والعمل على ألا يضطر الإنسان إلى ترك أرضه.

كما تناول نيافته أهمية التمييز داخل العمل الرعوي، مستشهداً بدعوة البابا إلى التوقف ومراجعة ما تحقق، ومعرفة ما أثمر وما لم ينجح، والبحث الجماعي عن الأسباب. واعتبر أن هذا النوع من المراجعة هو، في جوهره، بحث عن الحقيقة.

وتوقف زوبي في مداخلته عند ذكرى مرور ثمانية قرون على وفاة أسيزي'>القديس فرنسيس الأسيزي، الذي ستحتفل الكنيسة الإيطالية بذكراه في أسيزي في الرابع من الشهر المقبل. وقال إن رسالة فرنسيس ما زالت حاضرة، خصوصاً في بساطة الإعلان، والقرب من الناس، والانفتاح على الآخر، وتجاوز الحدود والجدران. واستعاد في هذا السياق قصة القديس فرنسيس مع ذئب غوبيو، باعتبارها نموذجاً للتفاوض وإيجاد حلول للعنف من خلال الحوار، لا من خلال السلاح. ورأى أن السلام، في هذه الرؤية، لا يعني إبعاد الآخر، وإنما إيجاد طريقة للعيش المشترك ومعالجة أسباب العنف وبناء المصالحة.

لم تخل كلمة رئيس إيطاليا'>مجلس أساقفة إيطاليا من التحذير من تنامي اللجوء إلى القوة والسلاح في العلاقات الدولية، مستشهداً بالرسالة العامة للبابا لاون الرابع عشر "الإنسانية الرائعة"، التي تتحدث عن تحول مقلق في الخطاب العام والسياسات المرتبطة بإعادة التسلح. ودعا إلى عدم الاستسلام لمنطق القوة، وإلى تحويل الجماعات الكنسية إلى "بيوت للسلام والمصالحة".

هذا ثم استعاد زوبي الذكرى الأربعين للقاء أسيزي الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني عام ١٩٨٦، وجمع ممثلين عن الكنائس المسيحية والأديان المختلفة للصلاة من أجل السلام. واعتبر أن "أسيزي'>روح أسيزي" لا تزال ضرورية اليوم، في ظل الحروب والاستقطاب، مؤكداً أهمية الحوار بين الأديان'>الحوار بين الأديان ومواجهة أشكال الاضطهاد الديني، وتعزيز المعرفة المتبادلة بعيداً عن الأحكام المسبقة.

وتطرق نيافته أيضاً إلى الذكرى الخمسين لأول مؤتمر كنسي وطني عُقد في روما عام ١٩٧٦ تحت عنوان "التبشير وتعزيز الإنسان"، وقال إن السؤال الذي طُرح آنذاك، حول الحاجة إلى تجديد الإيمان في إيطاليا، لا يزال قائماً اليوم، وإن كان الواقع الاجتماعي والثقافي قد تغير بصورة كبيرة. وفي هذا الإطار، دعا إلى إعادة النظر في الهياكل الكنسية بما يتناسب مع طبيعة الكنيسة التبشيرية، مؤكداً أن الهياكل يجب أن تخدم حرية إعلان الإنجيل، لا أن تتحول إلى غاية بحد ذاتها.

على الصعيد التربوي اعتبر رئيس إيطاليا'>مجلس أساقفة إيطاليا أن المدرسة تمثل ورشة أساسية للمستقبل المشترك، وأن التعليم لا يقتصر على البرامج والمناهج، بل يهدف إلى مساعدة الإنسان على أن يصبح حراً، وقادراً على البحث عن الحقيقة، ومعرفة الخير، وبناء علاقات مسؤولة مع الآخرين.

وحذر نيافته في هذا السياق من الفوارق في فرص التعليم، مشدداً على ضرورة ألا تحدد الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية أو مكان الولادة فرص الطالب في التعلم. كما تناول تأثير الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن التكنولوجيا يمكن أن تقدم أدوات مهمة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المعلم، ولا أن تستبدل العلاقة الإنسانية ودور التربية في تعليم الشباب كيفية طرح الأسئلة والتفكير والتمييز بين الحقيقي والزائف.

وختم الكاردينال زوبي مداخلته بالدعوة إلى الصلاة والسلام، مستلهماً من حياة القديس فرنسيس، ومؤكداً الحاجة إلى بناء الجسور بدلاً من الجدران، وتحويل الكنيسة والمجتمع إلى قوة للمصالحة، في وقت يشهد العالم تصاعداً في النزاعات والانقسامات.