خالد منتصر
تداولت وسائل إعلام خلال الشهور الأخيرة أن أسرة النجم الأمريكى بروس ويليس تعتزم، بعد وفاته، التبرع بدماغه للبحث العلمى؛ أملاً فى مساعدة العلماء على فهم مرض الخرف الجبهى الصدغى الذى أنهى مسيرته الفنية وسلبه تدريجياً قدرته على الكلام والتواصل، لكن من الضرورى التنبيه إلى أن هذه المعلومة، رغم انتشارها فى صحف عديدة، لم أجد لها حتى الآن بياناً مباشراً منشوراً على الموقع الرسمى لزوجته أو جمعية الخرف الجبهى الصدغى، لذلك الأحوط أن نصفها بأنها «خطة متداولة ومنسوبة إلى الأسرة»، لا تبرع قد حدث بالفعل، فبروس ويليس ما زال على قيد الحياة، بدأت القصة علناً فى مارس ٢٠٢٢، عندما أعلنت الأسرة أن ويليس يعانى «الحبسة الكلامية» Aphasia، وأن اضطرابه فى فهم اللغة والتعبير بها اضطره إلى اعتزال التمثيل، والحبسة ليست مرضاً مستقلاً،
بل عرض ينتج من إصابة دوائر اللغة فى المخ، وفى فبراير ٢٠٢٣ كشفت الأسرة التشخيص الأكثر دقة: الخرف الجبهى الصدغى Frontotemporal Dementia، المعروف اختصاراً بـFTD. وأوضحت أن صعوبات التواصل ليست سوى أحد أعراض مرض أوسع وأكثر تعقيداً، يختلف هذا المرض عن ألزهايمر. ففى ألزهايمر تكون الذاكرة الحديثة غالباً أول ما يتدهور، بينما يبدأ الخرف الجبهى الصدغى عادة بتغيرات فى الشخصية والسلوك والحكم على الأمور أو باللغة والقدرة على الكلام. والسبب هو ضمور تدريجى يصيب الفصين الجبهى والصدغى؛ وهما منطقتان تتحكمان فى السلوك والتعاطف والتخطيط والكلمات وفهم المعانى، وقد يصبح المريض أكثر صمتاً أو انسحاباً، أو يتصرف بصورة اندفاعية وغريبة، قبل أن تتأثر بقية قدراته، ولهذا قد يُساء تفسير الأعراض الأولى باعتبارها اكتئابًا أو مشكلة زوجية أو اضطراباً نفسياً، كشفت زوجته إيما هيمينج ويليس أن إحدى العلامات المبكرة كانت تغير لغته وابتعاده العاطفى، وأن الأسرة تعلمت التواصل معه بوسائل أخرى مع تراجع الكلام، بينما لا تزال تظهر أحياناً ضحكته وتعبيراته القديمة، كما تؤكد أن بروس ما زال يتعرف إلى أفراد أسرته؛ فالخرف الجبهى الصدغى لا يمحو الذاكرة دائماً بالطريقة نفسها التى يفعلها ألزهايمر، أما أهمية التبرع بالدماغ، إن نُفذت هذه الرغبة مستقبلاً، فتتجاوز التشريح التقليدى. فبعد الوفاة يستطيع الباحثون فحص أنسجة المناطق المصابة، وتحديد البروتينات غير الطبيعية المتراكمة فيها، مثل بروتينى تاو وTDP-٤٣، وربط النتائج بالأعراض والفحوص والصور التى جُمعت أثناء حياة المريض. وقد يمنح ذلك الأسرة تشخيصاً مرضياً نهائياً، ويساعد العلماء على اكتشاف مؤشرات حيوية وعلاجات أكثر دقة. وتصف جمعية الخرف الجبهى الصدغى التبرع بالدماغ بأنه من أهم الوسائل لفهم أسباب المرض والبحث عن علاج له، هكذا تبدو مفارقة بروس ويليس موجعة، فالرجل الذى أنقذ العالم عشرات المرات على الشاشة فى سلسلة «Die Hard» وفى «Armageddon» وفى «Tears of the Sun»
يعجز العلم الآن عن إنقاذ خلايا مخه، وربما تكون هديته الأخيرة، إن تأكد قرار أسرته، ألا ينقذ بطلاً خيالياً هذه المرة، بل يساعد فى إنقاذ مرضى حقيقيين لم يجدوا حتى اليوم دواءً يوقف مرضهم، الرجل الذى هزم الإرهابيين وأنقذ الأرض وواجه الموت عشرات المرات على الشاشة، يخوض اليوم معركته الأصعب فى صمت أمام الخرف الجبهى الصدغى، معركة بلا أكشن، ولا موسيقى تصويرية، ولا نهاية مكتوبة فى سيناريو، ومع ذلك تظل صورته القديمة حاضرة، بروس ويليس، الرجل الذى علّمنا أن البطل الحقيقى ليس من لا يسقط، بل من يحتفظ بكرامته وإنسانيته حين تضيق أمامه طرق النجاة.
نقلا عن المصرى اليوم





