الأب داني قريو السالزياني
مع بداية عام دراسي جديد، تضع الكنيسة كلمة الرب يسوع في الفصل الخامس من الانجيل بحسب متى التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها سرًّا كبيرًا: «أنتم ملح الأرض... أنتم نور العالم».
 
فما معنى أن يكون الإنسان معلّمًا؟ 
وما الذي يجعل حضوره في المدرسة أكثر من مجرد نقل معلومات، أو شرح مواد، أو مرافقة تلاميذ من صفّ إلى آخر؟
 
ربما يكمن الجواب في هذا الانتقال الذي يصنعه يسوع: من الملح إلى النور. فالملح يعمل بطريقة مختلفة عن النور. 
 
 النور يُرى، أما الملح فيذوب. 
 
  النور يشعّ، أما الملح فيختفي. 
 
  النور يصل إلى العين، أما الملح فيدخل إلى الجوهر.
 
ولعلّ في هذا شيئًا من سرّ الحياة الروحية نفسها.
 
  فالله يعمل في الإنسان أولًا في الخفاء، في المناطق التي لا يراها أحد. هناك، في عمق القلب، حيث لا تصفيق ولا شهرة ولا اعتراف، يبدأ التغيير الحقيقي. وكما تذوب حبة الملح في الطعام حتى لا تعود تُرى، هكذا ينزل عمل الله إلى الداخل، ويغيّر النكهة من دون ضجيج. وهذا ما يجعل حضور المعلّم مختلفًا. 
 
  فالتلميذ قد ينسى بعد سنوات كثيرة بعض القواعد والمعادلات والتواريخ التي تعلّمها، لكنه قد لا ينسى إنسانًا شعر أمامه للمرة الأولى أنه قادر، وأن له قيمة، وأن أحدًا رأى فيه شيئًا جميلًا لم يره هو في نفسه.    
 
  قد لا يتذكر درسًا كاملًا، لكنه يتذكر نظرة معلّم، كلمة في وقت مناسب، صبرًا لم يفهم سببه آنذاك، أو حضورًا جعله يشعر أن المدرسة ليست مكانًا للتعلّم فقط، بل مكانًا يمكن فيه للإنسان أن ينمو.
 
هنا يصبح المعلّم «ملحًا».
 
  ليس لأنه يتحدث كثيرًا عن القيم، بل لأن القيم تصبح أسلوب حياة، طريقته في النظر، وفي الإصغاء، وفي التعامل، وفي احترام الإنسان الذي أمامه.
الملح لا يعلن عن نفسه. لا يقول للطعام: «انظر كم أنا مهم». إنه يدخل إليه، يذوب فيه، ويترك أثره.
 
وهكذا أيضًا بعض أجمل الأشياء التي تحدث في التربية لا تُرى في لحظتها. قد تمرّ كلمة صغيرة من المعلّم في قلب تلميذ، وتبقى هناك سنوات طويلة، كأنها حبة ملح دفنت في عمق الروح ولم يظهر طعمها إلا بعد زمن.
 
ولذلك فإن السؤال في بداية العام الدراسي لا يتعلّق فقط بما سيُدرَّس، بل بما سيحدث في الداخل.
 
 أي إنسان سيخرج من هذه الصفوف؟
 
أي نظرة إلى ذاته وإلى الآخرين ستنمو في داخله؟
 
  أي معنى سيحمله معه عندما يغادر المدرسة؟
 
هنا تتجاوز التربية حدود المعرفة، وتدخل في سرّ الإنسان.
 
  فالمدرسة ليست فقط مكانًا تنتقل فيه المعلومات من عقل إلى عقل، بل مكان تتشكل فيه صورة الإنسان عن نفسه، وعن الآخر، وعن العالم، وأيضاً عن الله. وفي هذا المكان الهادئ، قد يكون حضور المعلّم نفسه جزءًا من التربية قبل أن تبدأ الكلمات.
 
ومن هنا نفهم لماذا يأتي «النور» بعد «الملح».
 
يسوع لا يقول أولًا: «أنتم نور العالم» ثم يذكر الملح عرضًا، بل يضع الملح في البداية. كأن النور الذي يراه الآخرون له جذور لا تُرى.
 
النور الحقيقي لا يُصنع أمام الآخرين. إنه يشعّ من الداخل عندما يكون هناك شيء مضيء في العمق.
 
ولهذا فإن الإنسان الذي امتلأ بالسلام يحمل السلام دون أن يتكلفه. والذي تذوّق الرحمة تصبح الرحمة جزءًا من حضوره. والذي تعلّم أن يرى الإنسان بعيون الله، تبدأ هذه النظرة بالظهور في عينيه قبل أن تظهر في كلماته.
 
هكذا يصبح النور نتيجة طبيعية للملح.
 
ليس هناك حاجة إلى صناعة صورة مضيئة عن الذات. عندما يتغيّر الداخل، يبدأ الخارج بالإشعاع من تلقاء نفسه.
 
وربما هنا يكمن جمال الرسالة المسيحية في المدرسة.
 
فالمسيحي لا يدخل المدرسة كصاحب مشروع يريد أن يفرض لونًا دينيًا على المكان، بل كإنسان يحمل في داخله شيئًا من نكهة الإنجيل. وجوده يجعل المدرسة أكثر إنسانية، والعلاقة أكثر دفئًا، والاختلاف أقل خوفًا، والضعيف أكثر أمانًا، والإنسان أكثر كرامة.
 
وهذا الحضور لا يحتاج دائمًا إلى الكلام عن الله؛ ففي أحيان كثيرة يصبح الله مرئيًا في الطريقة التي يُعامَل بها الإنسان. «ليروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات».
 
لا يقول يسوع: ليروا كم أنتم صالحون. بل: «ويمجّدوا أباكم».
 
وهنا يكمن الفرق بين نور الإنجيل وأضواء كثيرة في عالمنا. هناك ضوء يجذب العين إلى نفسه، وهناك نور يجعل الأشياء الأخرى مرئية.
 
المعلّم الذي صار «ملحًا» لا يحتاج إلى أن يسلّط الضوء على ذاته. شيئًا فشيئًا، يبدأ أثره بالظهور في الآخرين.
 
  قد يظهر في تلميذ استعاد ثقته بنفسه.
 
  في آخر تعلّم أن يحترم المختلف عنه.
 
 في قلب اكتشف أن الفشل ليس نهاية الطريق.
 
 في شاب بدأ يرى مستقبله بإيمان جديد.
 
وهذه الثمار قد لا تحمل اسم صاحبها. وربما لا يعرف المعلّم نفسه كم مرة أضاءت كلمة منه طريقًا في حياة إنسان آخر. لكن الملح لا يرى ما صنعه بعد أن يذوب.
 
وهذا ربما هو أحد أجمل أسرار الدعوة التربوية: أن كثيرًا من الخير الحقيقي يحدث في الخفاء. لا نراه، ولا نملك نتائجه، ولا نعرف أين ستصل كلمة قيلت اليوم بعد عشرين سنة. وفي هذا الخفاء تحديدًا يعمل الله.
 
فالمعلّم، مثل كل إنسان مدعو إلى الحياة، يحمل في داخله مكانًا يعمل فيه الله بعيدًا عن العيون. وكلما صار هذا الداخل أكثر صدقًا وامتلاءً بالله، صار الحضور في الخارج أكثر صفاءً.
 
  عندها لا يعود النور شيئًا نعرضه، بل شيئًا يشعّ.
 
  لا يعود الإيمان خطابًا نلقيه، بل حياة تُلمس.
 
ولا تعود القيم شعارات تُعلَّق على جدران المدرسة، بل روحًا تسري في العلاقات.
 
في بداية هذا العام الدراسي، ربما يكون أجمل ما نحمله معنا ليس فقط ما سنقوله لتلاميذنا، بل ما سنصير إليه في أعماقنا.
 
فالقلب الذي يسمح لله أن يغيّر نكهته من الداخل، لا بدّ أن يبدأ يومًا ما بإضاءة شيء من حوله.
 
وربما لا يكون السؤال: «كيف أكون نورًا للآخرين؟»، بل سؤالًا أعمق وأهدأ:
 
ماذا يحدث في داخلي، في الخفاء، حتى يصبح حضوري نورًا دون أن أبحث عن أن أكون نورًا؟
فحين يذوب الملح في أعماق الحياة، يأتي النور وحده.