هاني لبيب
الأهم من رقم المبيعات فى السوق العقارية ليس عدد الكمبوندات الجديدة، وإنما عدد الوحدات التى تم دفع قيمتها دون أن يتسلمها أصحابها فى الموعد المتفق عليه فى عقد الشراء القانونى. المفارقة هنا أنه يبدو أن لا أحد يملك هذا الرقم بشكل محدد.
قال د. مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، خلال المؤتمر الصحفى الأسبوعى للحكومة فى ٣ سبتمبر ٢٠٢٦: «إن الحالات التى تشهد تعثرًا حقيقيًّا من المطورين العقاريين تعد على أصابع اليد الواحدة، وليست بالصورة التى يتخيلها الرأى العام.. وأن الحكومة تعمل على حصر كل المشروعات المتعثرة، وتحديد كيفية التحرك لحل المشكلات».
كما صرح طارق شكرى، رئيس غرفة التطوير العقارى باتحاد الصناعات، لبرنامج «مساء دى إم سى» فى ٣ سبتمبر ٢٠٢٦: «السوق العقارية لا تمتلك حتى الآن حصرًا حقيقيًّا ودقيقًا لحالات التعثر فى تسليم الوحدات المتعاقد عليها»، مشيرًا إلى «ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة ووضع حلول لها».
السؤال ليس عن حجم التعثر إذا ما كان قليلًا أم كثيرًا.. السؤال الأخطر: طالما لا يوجد حصر دقيق إلى الآن، فمن أين جاء تقدير حجم الظاهرة بأصابع اليد الواحدة؟ ربما لا يكون هناك تناقض مباشر بين تصريح مدبولى وشكرى؛ الأول يتكلم عن التعثر الحقيقى للمطورين، بينما يتكلم الثانى عن التعثر فى تسليم الوحدات. الفارق بين المصطلحين ليس مجرد تفصيل فنيّ؛ لأن المطور قد يكون قائمًا ويعمل، بينما يحدث تأخير لمشروع بعينه.. وقد يتأخر مشروع ما دون أن يكون المطور متعثرًا ماليًّا.. وقد يتعثر مطور فى مشروع ما ويستمر فى مشروعات أخرى.. وقد تنتهى حالة كمبوند محدد بفسخ التعاقد دون أن يعنى إفلاس المطور.. وهى جميعها حالات متباينة يقرؤها المواطن باعتبارها «وعدًا بالتسليم.. لم يتحقق فى موعده».
فى ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦، صرح طارق شكرى لبرنامج «حضرة المواطن» بـ (أن مصر تنتج نحو ١٠٠ ألف وحدة سنويًّا، فى مدة إنشاء تتراوح بين ٤ و٥ سنوات.. ويصل إجمالى الوحدات المنفذة إلى نحو ٥٠٠ ألف وحدة)، موضحًا أن وجود ٥ آلاف أو ١٠ آلاف وحدة متعثرة يمثل نسبة محدودة من إجمالى السوق، وأن مصر تنتج ١٠٠ ألف وحدة سنويًّا، وأكد أن مشكلات التعثر يجب عدم تعميمها على القطاع بالكامل؛ لأن القطاع يشغل ما يقرب من ٦ ملايين عامل، وله تأثير كبير فى الاقتصاد الوطنى، موضحًا أن نسبة المشكلات تتراوح بين ١٪ و٢٪ وتصل إلى ٥٪ فى أقصى تقدير.
ما سبق يعنى أن الحجم الفعلى لمشكلة التعثر لايزال لم يُحسم بعدْ، وأصبحنا أمام تقديرات من جهة، وحصْر رسمى مرتقب من جهة أخرى، رغم عدم جواز تحوّل النسب التقديرية إلى حقائق نهائية قبل الحصر الفعلى من خلال قاعدة بيانات معلنة. والأهم هنا أن عدد الوحدات ليس وحده معيار حجم الأزمة. نحتاج إلى وجود ملف متكامل قابل للقياس والمحاسبة: من تأخر؟ وكم وحدة تأخرت؟ ومنذ متى؟ وما نسبة الإنجاز؟ ولماذا تأخر المشروع؟ وهل السبب المطور أم ظروف خارجة عن إرادته؟ وهل حصل المشترون على بدائل؟ وهل توجد قدرة مالية وفنية على استكمال المشروع؟ وهل هناك تعاقدات قائمة على هذه الوحدات؟ وكم عدد الأسر التى تنتظر التسليم؟
أعلن خالد عباس، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، على هامش قمة سيتى سكيب: (أن العاصمة الجديدة شهدت منذ نشأتها سحب ٦ حالات من الأراضى، وأن هذه الحالات كانت فى الأساس عبارة عن فسخ تعاقد رضائى؛ حيث يقوم المطور الذى يواجه صعوبة فى استكمال المشروع بتسليم الأرض واسترداد أمواله وفقًا للأطر القانونية المنظمة). وأشار إلى (عدم وجود حالة تعثر عامة بين المطورين العقاريين داخل العاصمة الإدارية، أو خروج شركات من السوق، وأن التأخيرات الحالية ترتبط بصورة أساسية بالظروف الاقتصادية والحروب العالمية، وما خلّفته من ضغوط على تكاليف التنفيذ والسيولة).
سحب الأرض لا يعنى أن لدينا حالة تعثر، بالمفهوم نفسه الذى يتحدث عنه رئيس مجلس الوزراء.
المواطن لا يشترى مطورًا عقاريًّا جيدًا، ولا يشترى ملاءة مالية، ولا يشترى خطة تنفيذ.. وإنما يشترى وحدة معينة بمواصفات وسعر وموعد تسليم محدد. ما يحدث داخل شركة التطوير العقارى أو بين الشركة والجهات الإدارية لا يعنى المواطن الذى لم يتسلم وحدته.
قطعًا، ليس من المصلحة العامة شيطنة قطاع يشغل ملايين العاملين، ويرتبط بعشرات الصناعات.. ولكن فى المقابل، فإن حماية القطاع العقارى لا تعنى حماية صورته على حساب المشترى، ويظل أفضل أسلوب لحماية المطور العقارى الجاد هو كشْف المطور المتعثر، كما أن أفضل طريقة لحماية السوق هى أن يعلم المشترى مصير أمواله.
ليس مطلوبًا من الحكومة أن تهوّن من المشكلة، ولا أن يضخمها المتضررون.. المطلوب أن تخرج جهة رسمية واحدة بجدول واضح، يتضمن: اسم المشروع، وموقعه، وعدد الوحدات، ونسبة التنفيذ، وموعد التسليم التعاقدى، ومدة التأخير، وسبب التأخير، وموقف المطور المالى والتنفيذى، وعدد العملاء المتأثرين، والإجراء الذى ستتخذه الحكومة.
نقطة ومن أول السطر..
فى «كمبوندات الأحلام».. الإعلان يبيع لك شكلًا مبهرًا عبارة عن: بوابة فاخرة، وبحيرات، وحدائق ونادٍ رياضى وأمن وخصوصية.. ولكن يظل خلف تلك البوابة الفاخرة سؤال واحد لا يستطيع أى كتالوج الإجابة عنه: متى تتسلم؟ والإجابة عن هذا السؤال ليست فى إعلان أو انطباع.
نقلا عن المصرى اليوم





