بقلم الأب يسطس الأورشليمى
سمح الله له بشُوكة في الجسد تجعله يشعر بضعف الجسد واهانات لحقت به من المعلمين الكذبة خاصة من جهة قدرته على الكلام وكما أرسل الرّب يسُوع المسيح بُولس رسولاً للحقّ، هكذا أرسل الشيطان رسولاً مقاوماً للحقّ، يبث رُوح الكذب ويحول الكنيسة إلى مجمع للشيطان وبقُوله: ملاك الشيطان، يقصد به كُل مقاومي الكلمة، الذين صارعُوا ضده وألقوه في السجن، وضربُوه حتى المُوت، فقد مارسُوا عمل الشيطان..

 أعطيت شُوكة لئلا أنتفخ، أي سمح الله لهم بذلك إلى حين، فهو يُشير إلى الاضطهادات التي تحملها، وقد طلب من السيد المسيح ثلاث مرات لينزع عنه التجربة، متشبهاً بالذي طلب ثلاث مرات أن تعبر عنه الكأس، أنظر الكتاب المقدس (مت39:26-44).. 

فهو يقدم لنا مثالاً بالالتجاء إلى الصلاة أثناء الضيق حتى وإن كان لصالحنا الرُوحي وبنياننا، نترك القرار في يد الله المهتم بنا أن ما يضمن له المكافآت العظيمة والأكاليل البهية، إنما هو ما يُعددّه من الأوجاع والميتات والأسفار براً وبحراً والأهوال والدمُوع والأحزان، حتى قُوله:

 أني ثلاث سنين ليلاً ونهاراً، لم أفتر عن أن أنذر بدمُوع كُل واحدٍ (أع31:20)، وأراد أن يظهر أن ألمه لم يكن أمراً طبيعياً صدر عن الجسد وإنما جاء عن قصد وسماح من الله لهدف أسمى وأعلى..

الله هو الذي سمح له بالتجربة، لكنه يعطيه نعمة لكي تسنده ويتمجد الله في ضعفه، وتتجلى قُوة المسيح فيه، ولا يستطيع الأعداء أن يحطموه، وقوله لكي تحل عليّ قوة المسيح، أي تُظلل عليّ كخيمة، حيث سكنى المسيح معي وأجد حمايتي وراحتي فيه، فالله لم ينزع عنه التجربة ولا وعده بذلك، لكن وهبه نعمته التي تهبه راحة وحماية ومجداً، وإمكانيات إلهية تعمل فيه لكي يبلغ إلى الكمال في المسيح يسوع ربنا..

 فيكفيه أن يقيم الميت ويشفي الأعمى ويُطهر البرص ويصنع عجائب أخرى، حقاً إذ حلت هذه المتاعب ظهرت قوة الله للخلاص، وأنتصر الإنجيل بالرغم من الاضطهادات، وكلما كثرت المتاعب ازدادت النعمة، لذلك يقول الرسُول: فبكل سرورٍ أفتخر بالحريّ في ضعفاتي، لكي تحلّ عليّ قوة المسيح، وهو دليل قوي على عظمة القيود عنده، وفي موضع آخر يقول: إني أفرح بآلامي لأجل المسيح..     

لذلك أسرّ بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح، لأني حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قويّ..

إن كان السيد المسيح من جانبه لا ينزع التجربة، بل يهب الرسول نعمته التي تسنده فيتمجد الله فيه، ويدخل إلى طريق الكمال، وهو من جانبه يُسر بكُل الضيقات التي تحل به مادامت من أجل المسيح، لا يحتمل التجارب بصبرٍ فحسب، وإنما بمسرة وبهجة قلب، وعندما أقترب المُوت منه دعي الجميع لمشاركته هذا الفرح (2كو14:2؛ 10:12؛ في18:2) ويقول: ولكن شكراً لله الذي يقودنا في مُوكب نصرته في المسيح كُل حين لقد سعى ليكُون موضع سرُور الله (رو3:5)..

قد صرت غبياً وأنا أفتخر، أنتم ألزمتموني!! لأنه كان ينبغي أن أمدح منكم، إذ لم أنقص شيئاً عن فائقي الرسل، وإن كنت لست شيئاً، إن علامات الرسول صنعت بينكم في كل صبرٍ، بآياتٍ وعجائب وقواتٍ، لأنه ما هو الذي نقصتم عن سائر الكنائس، إلا أني لم أثقل عليكم ؟!

يرى إنه ما كان يليق به أن يفتخر بما ناله من ضيقات لأجل المسيح لكنه التزم بذلك، لأنه كان يليق بهم أن يدافعوا عن رسوليته أمام المقاومين إذ لم يكن ينقص شيئاً عن فائقي الرسل، وخدمته ليست بأقل من خدمتهم لهذا الزموه أن يمدح نفسه وخدمته، لكنه عرف متى وأين يتوقف؟

 ولم يفعل ذلك إرضاء لنفسه، ولكنه وصف نفسه كمختلٍ ليوقف الآخرين عن الانغماس في مديح الذات (2كو1:11؛ 2:12)، إذ دائماً يلجّم حديثه كحصان جامح ينحدر من على قمة جبل، وقد قدمت نعمة الله الدلائل على صدق رسوليته، ودعوته الإلهية وهي:

أولاً: في كُل صبر، فما احتمله لا يمكن لطاقة بشرية أن تحتمله، ما لم تعمل نعمة الله فيها وتهب الشخص إمكانية الصبر..

ثانياً: بآيات، وعجائب، وقوات، وهُو كخادم أمين قدم كُل الإمكانيات للكنيسة في كورنثوس، ولم يتركها تنقص شيئاً عن سائر الكنائس، وفي نفس الوقت لم يُثقل عليهم بأي التزام مادي يخص ضروريات الحياة، ثم يعتذر بأنه ظلمهم لأنه لم يسمح لهم أن يساهموا في معونته كما سمح للكنائس الأخرى بالمساهمة في نفقات الخدمة والخادم، وهُو امتياز يتمتع به المؤمنون، وهُم قد أهانوه إذ حسبوه أقل من المعلمين الكذبة.. 

هوذا المرة الثالثة أنا مُستعد أن آتي إليكم ولا أثقّل عليكم، لأني لست أطلب ما هو لكم بل إياكم، لأنه لا ينبغي أن الأولاد يذخرون للوالدين، بل الوالدون للأولاد، وأما أنا فبكل سرور أنفِق وأنفَق لأجل أنفسكم، وإن كنت كلما أحبكم أكثر أحب أقل!! فليكن، أنا لم أثقّل عليكم..

إن كان قد ظلمهم قبلاً فها هُو يخبرهم للمرة الثالثة أنه قادم لزيارتهم وهُو لا يطلب مساهمتهم في نفقاته، إنما يطلب أشخاصهم، هو أب، والأب يتعب ويجاهد لكي يعطي أولاده ولا ينتظر أن يأخذ منهم شيئاً، بل مسرته أن يقتنيهم كأولاد له، يطلب خلاصهم الأبدي، كعروس للمسيح، ولا يطلب مقتنياتهم، إنه سيستمر يُمارس أبوته الحانية..

 ينفق ما لديه ويبذل ذاته من أجلهم، مقدماً ما لديه من إمكانيات، كما يقدم قلبه وفكره ومشاعره لحسابهم، ولا يتأثر بتصرفاتهم، فهو يعلم كلما أحبهم أكثر يحبونه أقل، يتألم ويمُوت لأجلهم، كالشمس التي تُستهلك لتُضيء للآخرين، أنتم تعلمُون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان، راجع الكتاب (أع34:20؛ 2كو15:12)..