بقلم الأب يسطس الأورشليمى
في الإصحـــــــاح السادس من رسالة غلاطية يحدثنا بولس الرسول عن قانون السيد المسيح هُو الحب، يُعلنه عملياً في صليبه (1كو20:9-23)، فإننا إذ نشترك في صليبه نُصلب ذواتنا كما عن العالم، لنقدم حياتنا مبذُولة كما بذلها هُو (مت38:10؛ يو16:3؛ 12:15)..
يقُول: أيها الإخوة، إن انسبق إنسان فأخذ في زلّةٍ ما، فأصلحُوا أنتُم الرُوحانيّين مثل هذا برُوح الوداعة، ناظراً إلى نفسك لئلاّ تُجَرّب أنت أيضاً احملُوا بعضكُم أثقال بعضٍ، وهكذا تمّمُوا نامُوس المسيح، لأنه إن ظنّ أحد أنه شيء وهُو ليس شيئاً، فإنه يغُش نفسه، ولكن ليمتحن كُل واحدٍ عمله وحينئذٍ يكُون له الفخر من جهة نفسه فقط، لا من جهة غيره، لأن كُل واحدٍ سيحمل حمل نفسه، راجع (1-5)..
أولاً: يسألهُم أن يكُونُوا لطفاء مع الضعفاء ويدعُوهم إخوة، ولا يقُول: إنسان يرتكب زلّة، بل أُخذ في زلّةٍ، بمعنى أنه إذا ما أُخذ بعيداً نخسره نحنُ مع أننا في حاجة إليه كعضو في نفس الجسد الواحد..
أنتُم الأقوياء الرُوحانيين، فلكي نُعين الآخرين يجب علينا أن نهتم أن نكُون أقوياء في المسيح لئلا نسقط نحنُ أنفسنا مع الضعفاء، فالإنسان الضعيف لن يسند ضعيفاً، ومَن يُعاني من أمر ما لا يقدر أن يحتمل، أو يشفي مَن كان في هزال، أما مَن كان غير خاضع للضعف، فيستطيع أن يُقدم علاجاً للضعيف، لذلك يقُول: أيها الطبيب اشف نفسك..
بدء الحكمة: الرقة واللطف، اللذان ينبعان عن عظمة النفس، واحتمال ضعفات البشر، فيجب علينا نحنُ الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء، ولا نُرضي أنفسنا (رو1:15)، والرسُول قال: برُوح الوداعة، مُشيراً بذلك أن هذا مقبُول لدى الرُوح القدُس، فالقدرة على إصلاح الغير برُوح الوداعة هُو عطية رُوحية (غلا23:5)، ناظراً إلى نفسك لئلا تُجَرّب أنت أيضاً، فهُو يُقدم تعليلاً منطقياً لاستخدام الوداعة مع الغير..
من الاستحالة ألا يكُون للإنسان سقطات، لذا يحثهُم ألا يفحصُوا أخطاء الغير بعنف، بل بالحريّ يحتملُون سقطاتهُم حتى يحتملنا الآخرين، وكما في بناء بيت ما، لا تكُون كُل الحجارة في وضع واحد، إنما يصلح حجراً أن يكُون في زاوية وليس في الأساس، وآخر يصلح للأساسات وليس للزاوية، هكذا بالنسبة للكنيسة جسد السيد المسيح..
ثانياً: الاتضاع في تعاملنا مع الغير، لأنه إن ظن أحد أنه شيء وهُو ليس شيئاً، فإنه يغشّ نفسه، وهُنا يتحدث عن الافتخار، مُظهراً بهذا تفاهته ولكن ليمتحن كُل واحدٍ عمله، فيجب أن نكُون فاحصين لحياتنا الخاصة بدقة ومحاسبة النفس، لا باستخفاف لكي نزن تصرفاتنا، فإذا صنعت عملاً صالحاً ضع في اعتبارك ألا يكون قد قمت به من أجل المجد الباطل، أو لأجل منفعة خاصة، أو بضمير سيء، أو لدافع آخر..
فإن أردت أن تفتخر لا تفتخر ضد قريبك كما فعل الفريسي، بل مَن افتخر فليفتخر بالرّب، فعلى الإنسان المُتكبر أن يتذّكر أخطائه الشخصية، لأن كُل واحدٍ سيحمل حِملَ نفسه من الخطايا..
ولكن ليُشارك الذي يتعلّم الكلمة المُعلّم في جميع الخيرات، لا تضلّوا!! الله لا يُشمخ عليه، فإن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً، لأن مَن يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً، ومَن يزرع للرُوح فمن الرُوح يحصد حياة أبديةً، فلا نفشل في عمل الخير لأننا سنحصد في وقته..
ثالثاً: يضع بذار الرُوح، إن كنا نزرع للرُوح نحصد ثماراً رُوحياً، وإن كنا نزرع للجسد حيث شهواتنا الخاطئة، نحصد ضعفاً وفساداً، فيليق بنا أن نزرع بذار حياتنا في تربة الرُوح، أي الكلمة الحّية..
لا يكون الحصاد حسب ما لدينا من معرفة بل حسب ما نزرع، قد يكون لدينا قدر كبير من البذار في الذهن، لكن ما لم نزرعها في تربة ملائمة لن تأتي بثمر، أزرع بذار الأفكار في الكلام والعمل، فستعطي كلمة الله ثماراً من ذات نوعها، لأن مَن يزرع لجسده فمن الجسد يحصد فساداً، ومَن يزرع للرُوح فمن الرُوح يحصد حياة أبديةً، مَن يزرع في الجسد عهارةً وسكراً وشهوة بلا ضابط، يحصد ثمار هذه الأمور، ما هي ثمارها؟ عقوبة وجزاء وخزي وهزء وتحطيم، أما ثمار الرُوح فهي مضادة لذلك (غلا22:5)..
تأمل هل بذرت صدقات، هل بذرت الاعتدال؟!
كنُوز السماء، ومجد أبدي ينتظرك حيث الكرامة، والمكافأة، والأكاليل، وتهليل الملائكة، وفرح القديسين..
رابعاً: يجعل حديثه عاماً، فاتحاً باب الغيرة المملُؤة حُباً نحو الجميع مرتفعاً بها إلى علوٍ هكذا، موصياً إيانا أن نُظهر رحمة لليهُود واليُونانيين، بل لجميع البشر، فهُو يحررّهُم من ضيق الأفق الذي لليهُود..
خامساً: حب رُوحي صادق، فهُو يكتب الرسالة كُلها بيده، دليل إخلاصه العظيم من نحوهُم، ففي رسائله الأخرى كان يُملي وآخر يكتب (رو22:16) وأن كان ما كتبه بيده هُو الختام ابتداء من هذه النقطة..
انظرُوا، ما أكبر الأحرف التي كتبتها إليكم بيدي!! جميع الذين يُريدون أن يعملوا منظراً حسناً في الجسد، هؤلاء يُلزمونكم أن تختتنوا، لئلا يُضطهدوا لأجل صليب المسيح فقط، لأن الذين يختتنون هُم لا يحفظون النامُوس، بل يُريدون أن تختتنوا أنتُم لكي يفتخروا في جسدكم..
لقد أراد المعلمُون الكذبة أن يفعلوا ذلك للافتخار، وليس تكريماً لله، وهذا العمل لا يقُوم على أساس تقوى، إنما من أجل طمُوح بشري، مُفضّلين مقاومه الله من أجل إرضاء الناس، فهُم يتجاهلُون عظمة الصليب في حين يقُول الرسُول: وأما من جهتي، فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب الرّب يسُوع فما هُو افتخار الصليب ألا المسيح الذي أحبني، وأسلم نفسه لأجلي أخلي نفسه، آخذاً صورة عبدٍ صائراً في شبه الناس، وإذ وُجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت (غلا20:2؛ في7:2)..
ليتنا إذن لا نخجل من محبته ولطفه، إنه لم يخجل من أن يُصلب لأجلك، فهل تخجل أنت من الاعتراف بعنايته بك؟!
يقُول لهُم: وأما من جهتي، فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب رّبنا يسُوع المسيح، الذي به صلب العالم لي وأنا للعالم..
يعني العالم شئُون الحياة ومديح الناس، والمجد والغني، وكُل هذه الأمُور التي تبدُو للإنسان سامية، فلننزع الإنسان القديم، ولا نسلك بعتق الحرف لكن في جدة الرُوح، فالمولود أعمى ينال البصر في سلوام، لكن كيف يقاوم هذا أمام عمى العالم؟! لقد قاد مجد الصليب أولئك الذين كانوا عمياناً خلال الجهل إلى النور، وحلّ رباطات الذين أمسكوا في الخطية، وافتدى عالم البشرية كُله (1كو18:1؛ غلا14:6)..
يقُول: لأني حامل في جسدي سمات الرّب يسُوع، فهُو حمل في جسده علامات عبودية ربنا يسُوع، إذ يشبه إنساناً يعتز برايات النصر الملوكية، وهُو يُشير إلى علامات آلامه الجسدية (2كو4:6)، وكأنه يقُول: إنني أدافع عن نفسي بهذه الجراحات التي هي أقوى من أية لغة، فإنه لا يرى إنسان ما جندياً راجعاً من المعركة وبه جراحات، ثم يجرؤ ويتهمه بالجبن والخداع، مُتطلعاً إلى الجندي يحمل في جسده علامات بسالته وشجاعته، هكذا أنتم أيضاً تحكمون عليّ مع حملي لهذه العلامات..
وفي النهاية يكررّ نقده للمتهودين الذين مازالوا يضغطُون عليهم لكي يختتنوا، مع أنهُم هُم أنفُسهُم فشلوا في إطاعة التوراة ككُل أما فخره ومجده، فهُو في الفداء المتحقق بآلام الرّب وقيامته..
حقاً أن سطوره الأخيرة هي أشبه بعبارات رائعة، فقد ظهر على جسده آثار تعبه وآلامه الخاصة بخدمته، ثم يختم ما سبق بقُوله:
نعمة ربنا يسُوع المسيح مع رُوحكُم أيها الإخوة. آمين..
يقُول: مع رُوحكم، مُجتذباً إياهم من الجسديات، مُذكراً إياهم بما يتمتعُون به من نعمة، حتى يجنبهُم كُل أخطاء المتهودين..





