بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هل شتمك أحد؟ اِرسم العلامة على صدرك وتذكَّر كل ما حدث (أثناء الصلب) وإذ بكل شيء ينطفئ"] . ويكمّل قائلاً: [أتشفق على من يشتمك؟ فإنه خاضع لسيِّد هو شبَح رهيب أي الحَنق، ولشيطان خطير أي الغضب ].
متى نرسم إشارة الصليب ولماذا؟
نرسم إشارة الصليب عندما نشكر، على عبارة المجد للآب والابن والروح القدس. نرسم إشارة الصليب عندما نأكل وعندما نشبع، بعد الاستيقاظ وقبل النوم، عند الخروج من المنـزل وعند الدخول إليه. قبل الدرس وبعده... وقد تترافق إشارة الصليب في حياتنا اليوميّة مع أغلب التصرّفات، والحركات، والكلمات، وليتها ترافقها كلّها، فتباركها وتنقيها وتصفيها. ونرسم إشارة الصليب في الخِدَم الليتورجية، في الزواج، عند الإكليل، فنرسم بالأكاليل الصليب، وتُعطَى البركة في كلّ خدمة بإشارة الصليب، فيُبارك الماء وكلّ عنصر ليتورجيّ من نبيذٍ وخبزٍ وغيره بإشارة الصليب... إشارة الصليب باختصار هي نداء لاستدرار النعمة الإلهيّة.
ما نستنتجه إذن، من كلّ الحوادث في العهد القديم التي رسمت بها إشارة الصليب، كما ورد سابقاً، ومن رسم إشارة الصليب في حياتنا اليوميّة وحياتنا الليتورجيّة المسيحيّة، هو أنَّ إشارة الصليب هي:
أولاً برقٌ يسبق رعدَ النعمة الإلهيّة وحضور قوّتها.
وثانياً أنَّ رسم إشارة الصليب يتوسّط واقعَين: الأوّل هو الواقع القديم، والذي هو كما رأيناه في كلّ تلك الأمثلة، واقعَ خوفٍ أو حاجة، أو عطش، أو تعب، أو خطيئة أو إلخ... أي واقعَ الإنسان القديم. أمَّا الواقعُ الثاني يأتي بعد رسم إشارة الصليب فهو واقعُ الإنسان الجديد المرتوي بدل العطشان، والقوي بدل الضعيف، إنّه واقع النعمة التي تكمُلُ في ضعفنا.
إشارة الصليب حدث يستدر النعمة الإلهيّة نستخدمها لقلب واقع قديم إلى حدث جديد. إشارة الصليب طعنة موجهة إلى إنساننا القديم، ونفخةُ حياة لقيامة إنساننا الجديد بالمسيح. إشارة الصليب انقلاب تحقّقه النعمة الإلهيّة التي طلبناها حين نرسم إشارة الظفر هذه. فلصليبك يا سيّدنا نسجد ولقيامتك المقدَّسة نسبّح ونمجّد". وإشارة الصليب ، عرفت من أقدم عهود المسيحية. وقد نقشها المسيحيون الأوائل على أضرحة الموتى ، وفى السراديب التي كانوا يجتمعون فيها ، في زمن الإضطهاد . بل أنهم جعلوا من موضوع الصليب مادة فخرهم وشعارا لهم. فبولس رسول يقول (حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم ).
عندما نرشم علامة الصليب فإننا نضم الثلاثة أصابع معاً، الإبهام والسبابة والأوسط التي لليد اليمنى من طرفها، وفي نفس الوقت نحن نسند الإصبع الرابع والخامس وهما مضمومان معاً على راحة الكف، ثم نلمس الجبهة ثم الصدر ثم الكتف الأيسر ثم الأيمن، وبعد ذلك تعود اليد إلي مكانها ونحن ننحني.
إن الثلاثة أصابع الإبهام والسبَّابة والأوسط وهي منضمّة معاً من أعلى القِمَّة تمثِّل الثالوث الأقدس، الآب الذي خلقنا، والابن الذي فدانا، والروح القدس الذي يسكن فينا، ثلاثة أقانيم في إله واحد الثالوث القدوس.
إن الإصبعين الباقيين وهما منضمَّان معاً يرمزان إلى طبيعَتَي المسيح: الإلهية والبشرية، كما أن استنادهما على راحة الكف يشيران إلى يسوع الذي ”أتى من السماء“ وصار إنساناً لأجل خلاصنا. فنحن عندما نرشم علامة الصليب فنحن نُذكِّر أنفسنا بمَن هو الله وماذا فعل لأجلنا. في كل مرَّة نحن نرشم أنفسنا بعلامة الصليب نحن نتذكَّر الثمن الباهظ الذي دَفَعَهُ لأجل أن يخلِّصنا.
من خلال علامة الصليب أيضاً نحن نعبِّر كذلك عن استجابتنا وردّ فعلنا تجاه ذبيحة المسيح، نحن عندما نضع يدنا على جبهتنا، فنحن نَعِد الله أننا بمعونته سوف نجتهد ونسعى أن نَعْرِفه من كل الفكر، وعندما نضع يدنا على الصدر، فنحن نَعِدُهُ أن يكون كُلَّ قَصدنا في الحياة أن نحبه من كلّ القلب، وعندما نضع يدنا على الكتف الأيسر والأيمن فهو تعهُّدنا أن نخدمه بكلّ قُوَّتنا، وبهذا فنحن نعطي تعبيراً بالرمز لأعظم وصية في المسيحية: «تُحِب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك» (مر 12: 30).
وفي ختام رشم الصليب نحن ننحني لنعترف أننا وجميع البشر تحت سلطان الله والخضوع له. فعلامة الصليب، كما نعلم نحن المسيحيين الأرثوذكس تُعبِّر عن بعض التعاليم الأساسية والرئيسية لإيماننا الأرثوذكسي، أعني: الثالوث، التجسُّد، الوصية المسيحية العُظمى، وتسليم (الحياة للمسيح). إنها صلاة الجسد مع الروح، إن الإنسان كلَّه يُصلِّي إلى الله.
بصلب ربنا يسوع المسيح انشق حجاب الهيكل اليهودي وتزلزلت الأرض، أي اِنهار الفكر المادي اليهودي في العبادة وتزلزل الفكر الأرضي، لكي لا يعيش المؤمن بعد يطلب الأرضيّات، بل ينطلق نحو السماويات. بموت السيِّد يتزلزل إنساننا العتيق الأرضي داخل مياه المعموديّة، وننعم بالإنسان الجديد المقام من الأموات، لهذا: "القبور تفتَّحت، وقام كثير من أجساد القدّيسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدّسة، وظهروا لكثيرين" .
ما حدث أثناء الصلب كحقيقة واقعة لمسها الذين كانوا في أورشليم يتحقّق في حياة المؤمن حين يقبل الصليب مع السيِّد المسيح في مياه المعموديّة. إنه يزلزل أرضه الداخليّة ويشقِّق صخوره ويفتح القبر المقدّس لينعم بالقيامة مع السيِّد حاملاً الحياة الجديدة.
يقول: "يذبح العجل أمام الرب" ، فإنه كان يذبح خارج المحلة لكنه في الحقيقة يذبح أمام الرب، إشارة إلى ذبيحة الصليب التي قدمها الإبن طاعة للآب، فإن كان قد صلب خارج أورشليم الأرضية لكنه "يظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا" (عب 9: 24)، يتقدم كذبيح وهو جالس عن يمين الآب يشفع بدمه للتكفير عنا، وكما يقول الرسول: "إذ هو حيّ، في كل حين ليشفع فيهم" (عب 7: 5).
والذي في ذهن القديس يوحنا الذهبي الفم مقدمة لما سيحل بأورشليم كلها، إذ صارت حقل دم، حيث دُمرت وصارت مقبرة لكثيرين من اليهود حين دخلها تيطس الروماني سنة 70م.
القديس يوحنا الذهبي الفم في أورشليم تزايد الشعب، يا للدهشة حيث قُتل يسوع هناك تزايدت الكرازة... يليق بي الإشارة إلى الملاحظة تحت أية ظروف تزايد الشعب: بعد المحاكمات تزايد الشعب وليس قبلها. لاحظوا كم هي عظمة رحمة الله.
ما هو حبل القياس أو قصبة القياس الروحية التي يمسك بها مهندسنا المعماري لإقامة أورشليم المقدسة إلاَّ الصليب المقدس الذي يتكون من عارضتين: طولية وعرضية؟! بهذا الصليب يحدد أبعاد مدينته المقدسة فينا، قائلاً: "لأقيس أورشليم لأرى كم عرضها وكم طولها".
على عارضة خشبه الصليب العرضية بسط السيد المسيح يديه ليضم بالواحدة اليهود وبالأخرى الأمم ليكون الكل معًا واحد فيه.





