عادل نعمان
لا يعيب الدولة أن تتدخل فى مشاكل القوم، فهذه مهمتها الرئيسية، ولا نلومها إذا نظمت أمور الناس بما يضمن حفظ الحقوق والالتزام بالواجبات، لكن نعيب عليها إذا تتدخلت دون دراسة أو تمهل، ولا يفوتها الحكمة والحرص، فتخطئ أكثر مما تصيب، وتهدم أكثر مما تبنى، كمن يحاول أن يرد حقًا فيسلب أكثر، أو يهدى تائهًا فيضل، أو ينفذ القانون الغائب فيدوس على الجميع، ويضج الناس وتضيع الحقوق. وهذا عهدنا معهم دائمًا وكذلك يفعلون!!
وبالمناسبة.. ليت الدولة تتمهل كثيرًا قبل أن تتدخل فى مشكلة المطورين العقاريين وعدم التزامهم بمواعيد تسليم الوحدات المتعاقد عليها مع العملاء، فتخلق مشاكل أكبر مما نراه ونلمسه، فلن ننسى فى ثمانينيات القرن الماضى حين فرض المدعى العام الاشتراكى الحراسة على أصحاب العمائر والبنايات حين عجزوا عن التسليم وبيعت الشقق لأكثر من مشترٍ، فلا عادت مدخرات الناس ولا اقتسموا ما كان قائمًا، وضاعت تحويشة العمر على الألوف من المصريين ولم يستفد من هذه المشكلة إلا مكتب المدعى العام الاشتراكى، فى صورة مرتبات وحوافز نتيجة إدارة هذه الأموال التى ضاعت على الناس. وأذكر دولتنا بضياع أموال المودعين فى شركات توظيف الأموال التى ولدت وترعرعت تحت سمع وبصر الدولة وفى أحضان بعض رجال الدين الذين أُثروا ثراء فاحشًا من وراء منصب المستشار الدينى لهذه الشركات، ومنهم مشايخ كانوا ملء السمع والبصر حتى الآن، وقد دخلت الدولة دون دراسة للموقف بأبعاده، فأربكت السوق وأصابته بالشلل، فلا عادت مدخرات الناس كاملة ولا رد رجال الدين أموال السحت التى جمعوها واختزنوها.
والمشكلة وأنا أحد أطرافها المظلومين، أن غالبية المطورين العقاريين حصلوا على مستحقاتهم كاملة وفقًا للعقود المبرمة بينهم وبين العملاء، ولم يلتزموا بمواعيد التسليم، وامتد عند بعضهم إلى عشر سنوات، والعلل والتبريرات، ربما فيها من الحقيقة نصيب، منها تعديل الأسعار المجحف الذى لجأت إليه الدولة لتحصيل أموال من المطورين تحت عنوان «تحسين السعر» ومنها من يزعم أن إرباك السوق فى فترة سابقة كان مقصودًا لصالح مشروعات أخرى حتى تبيع وتنشط على حساب هذه المشروعات، ومنها التعويم وتخفيض قيمة الجنيه الذى رفع التكلفة أضعافًا مضاعفة، ومنها عائد إلى المطورين أنفسهم وتراخيهم فى البدء فى التنفيذ وعدم دراسة السوق، وأصبح من الصعب الالتزام بتنفيذ العقود وفقًا لأسعارها القديمة، كل هذا جائز ولابد أن تأخذه الدولة فى الحسبان وتترفق بالجميع المطور والمشترى، حتى وإن كان المطور سببًا فى التأخير والمماطلة.
وأتصور أن الحل الأمثل هو دراسة المشكلة دراسة متأنية بأطرافها جميعًا دون استثناء، من المطورين والمشترين والبنوك، والأخذ فى الاعتبار كل المواقف والأسباب حالة بحالة، بعيدًا عن موقف الدولة والبعد عن جنى الأرباح التى تحرص عليها الدولة فى كل موقف، أو التفكير فى سحب الأراضى أو بيعها بالتزاماتها للغير، فإن تبعات وتداعيات هذا مربكة وظالمة للأطراف جميعها، وبمعنى أدق أن ندير الموقف لمصلحة الأطراف جميعها.
وعلى الدولة أن تدرك أنها شريك رئيسى فى المشكلة وعليها أن تصبح شريكًا رئيسيًا فى الحل.
كيف؟ وهنا نعود إلى مهمة الدولة الرئيسية، وهى مسؤولة مسؤولية كاملة عن كل الكيانات التى تعمل تحت مظلتها وسمائها، ومدى التزامها بالقانون والعقود من اليوم الأول، وأول هذه العقود أن تلتزم الدولة نفسها بما اتفقت عليه مع المطورين من أسعار، فلا يصح أن يتعاقد المطور على سعر، ويحدد له سعر البيع ثم يتم تعديل الأسعار ونطالبه بالسداد الفورى، وبعدها نطالب المطور بالالتزام بالعقود ومواعيد التسليم!! الأمر الثانى كل ما هو قائم تحت سماء مصر بشرًا أو جمادًا أو نباتًا أو شخصية اعتبارية ملتزم بالقانون وبالنظام والجميع تحت رعاية الدولة ومسؤوليتها، ولا تتعلل الدولة بعدم علمها أو جهلها، هى داخل كل العقود (طرف ثالث) مسؤولة عن ضبط العمل ومعاييره والأهم مواعيد التسليم، لما لها من سلطان ونفوذ، فمن باب أولى مراقبة السوق، نقطة عقل ونظام حتى يخرج السوق بسلام.
الأسبوع القادم.. نستكمل النبوة الصادقة والنبوة التاريخية.. والخلق (3).
(الدولة المدنية هى الحل)
نقلا عن المصري اليوم





