سمير مرقص

(١) إطلالة على المفهوم
إن خطاب الكراهية ليس حالة لغوية يمكن علاجها بحزف مفرداته أو بعقاب ناطقيه. إنه نتاج لعلاقة معقدة بين العقل وتكوينه الذى يكون فى هذه الحالة «إكراهى»، وبين السياق الذى ينطلق فيه ــ والذى يكون فى الأغلب ــ يعانى من التفاوتات والاختلالات التى تنعكس على الكثرة المواطنية غضبا، وقلقا، وخوفا، وضيقا، وعجزا، واستقطابا. وقد تبلور مصطلح خطاب الكراهية فى النصف الثانى من القرن العشرين فى العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (١٩٦٦) عندما نص فى أحد بنوده على ما يلى: «تحظر بالقانون أى دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف. بيد أن الفكر الإنسانى قد عرف الحالة الكراهية وحاول مقاربتها منذ أرسطو مرورا بإسبينوزا حتى العالم النفس اجتماعى الكبير إريك فروم (١٩٩٠ ــ ١٩٨٠). وأظن أن الأخير قد استطاع فى كتابه: «الخوف من الحرية» أن يرصد ــ فى ضوء النازية الفاشية الاستبدادية ــ كيف تتشكل البنية الذهنية والنفسية الإكراهية من جانب، والمجتمعية من جانب آخر فى بلورة السياق الكاره. وقد طور أطروحة «فروم»: مدرسة فرانكفورت، وفوكو، وراهنا «أمارتيا سِن» و«أكسيل هونيث» و«جوديث باتلر». وقد تطور المصطلح نفسه من «العداوة hostility»، إلى «الكلمة الجارحة word that wound»، «فالخطاب المثير excitable speech».

(٢) خطاب الكراهية: يتشكل عقليا ويتعزز سياقيا/ مجتمعيا
لا ينطلق خطاب الكراهية من فراغ، إذ يتشكل فى ضوء منظومة مفهومية وفكرية ومصلحية ويتجسد عمليا من خلال ممارسات مجتمعية إقصائية وإيذائية وإخضاعية. فالخطاب، أى خطاب، ليس منبت الصلة عن العقل الذى ينتجه، ولا عن الواقع المجتمعى: الاقتصادى، والسياسى، والثقافي؛ الذى يتوجه إليه وتتمدد فيه أفكاره. وبالتالى، فمن الأهمية بمكان ألا نتوقف فقط عند الفعل الخطابى الكراهى: وتجريما، وتأثيما، بل نتطرق إلى العقل الإكراهى الذى يشكل خطاب الكراهية، وإلى السياق الكاره الذى يوفر له شروط الانتشار والتأثير. بلغة أخرى، أتصور، أنه بات علينا وقد أنفقنا كثير من الوقت على التركيز على خطاب الكراهية، وهو أمر ضرورى ولا غنى عنه، أن نخصص وقتا لفهم وتحليل المنظومة العقلية والفكرية من جانب، والسياق الذى يغذى الكراهية كى تستفحل عمليا وفعليا من جانب آخر. إن خطاب الكراهية ينبغى أن يُقرأ باعتباره حلقة فى سلسلة تبدأ بالعقل وتتعزز بالممارسة. بمعنى آخر، الكراهية ليست نصا جارحا يتضمن كلمات مسيئة فحسب، إنها عملية لها دورة حياة تبدأ بتصورات إكراهية تقوم على مقاربات أحادية وأفكار منحازة وأحكام سابقة التجهيز وأوصاف مشوهة وتصنيفات نمطية،..، إلخ. ومن ثم تتكثف عناصر تلك التصورات معا: ذهنيا ومعرفيا لتشكل القاموس الخاص بالإكراه ليكون المصدر الذى تستمد منه الصياغات المختلفة لخطابات الكراهية. والوصم ينتج تمييزا، والتمييز قد يفتح الطريق أمام النبذ والعنف. والخطاب هو الأداة التى تصل بين هذه المستويات؛ فهو يحول ما هو كامن فى العقل إلى لغة متداولة وشائعة، وما هو موجود فى السياق من تناقضات واختلالات وتفاوتات (كارهة) إلى دوافع اجتماعية وثقافية وسياسية لممارسات كريهة.

(٣) خطاب الكراهية: ظاهرة فكرية ــ مادية
إذن، خطاب الكراهية ليس فقط كلمات إيذائية تقال فى لحظة غضب، ولا هو انحراف لغوى يمكن تصويبه بإجراء قانونى أو تهذيبه بقرار إدارى. وإنما هو نتاج عقل إكراهى بالأساس، وسياق كاره للقبول بالتنوع ما يتيح ممارسات مجتمعية كريهة فى شتى المجالات. لذا فإن تفكيك خطاب الكراهية لا يعنى فقط أن نقول للناس: «لا تكرهوا». بل يعنى أن نسأل: ما أسباب انتشار خطاب الكراهية فى مجتمع ما فى لحظة تاريخية معينة؟ وكيف يتشكل خطاب الكراهية أصلا؟ ولماذا ييسر السياق التمادى فى تبنى خطاب الكراهية وترجمة ما يتضمن من رسائل إلى ممارسات كريهة ممكنة؟ إن هذه الأسئلة وغيرها، تتجاوز بنا المقاربة التفسيرية اللغوية لخطاب الكراهية، على أهميتها، وما يترتب عليها من توصيات مبدئية وأخلاقية وإجرائية إلى التعاطى مع الظاهرة باعتبارها ظاهرة بنيوية مركبة: فكرية ــ مادية. إذ إن خطاب الكراهية وخطاب الكراهية المضاد ــ الذى يتم استنفاره ــ سوف يعكسان، حتما، صراعات ــ علاقات القوة والسلطة والهيمنة. وفى هذا المقام، يشير عالم الاجتماع الفرنسى «بيير بورديو» أن: اللغة ليست مجرد وصف للعالم؛ إنها تحمل «قوة رمزية» بفعل العقل النظرى المنتج لمفرداتها وكيف تتم صياغة تلك المفردات فى خطاب الكراهية والسياق الذى يتبناه عمليا ويتبنى بالتالى خطاب الكراهية المضاد.

(٤) المهمة المزدوجة لمواجهة خطاب الكراهية
وبعد، أظن، أنه علينا، بالإضافة إلى مهمة محاصرة خطاب الكراهية وكشف أثاره الضارة على تماسك المجتمعات والعلاقة بين مكوناته وأمن الأوطان. أن نعمل على كيفية منع الشروط التى تجعل الكراهية خطابا ممكنا وساريا؟ هنا يبدأ التفكيك الحقيقى؛ وذلك بالرجوع إلى أصل ما تضمنه الخطاب من كلمات أى إلى العقل الذى أنتجها، وإدراك طبيعة السياق الذى يغذيها من خلال البنى السلطوية المختلفة وآلياتها المتنوعة. فالكراهية ليست مجرد خطاب، وإنما علاقة بين عقل وسياق. إن مهمة مواجهة الكراهية وخطابها، هى مهمة مزدوجة ومتزامنة ذات طبيعة «تحريرية»: تحرير العقل من الإكراه، وفى نفس الوقت، تحرر السياق من التخلف والظلم. فلا يكفى، حسب أحد الباحثين، أن نقول للإنسان: لا تكره، إذا كان يعيش فى سياق يشعر فيه بالتهديد والإقصاء وانعدام العدالة؛ كما لا يكفى تحسين الظروف الاقتصادية إذا ظل العقل أسيرا لمنطق التفوق والتعالى والإقصاء. ما يعنى ضرورة العمل ــ المشترك بين الجميع وفى نفس الوقت ــ على تكوين عقل جدلى حر وسياق أكثر عدالة ومواطنة.. نواصل.
نقلا عن المصرى اليوم