الأنبا إرميا
أود أن أهنئ أقباط مصر والعالم بـ«عيد النيروز»، الذى تحتفل به الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى ١١ سبتمبر، وبدء العام القبطى الجديد ١٧٤٣.

«عيد النيروز» يرتبط بالتقويم القبطى الذى يطلق عليه «تقويم الشهداء»؛ حيث قدم آلاف الشهداء حياتهم من أجل الحفاظ على إيمانهم. وقد بدأ الحديث فى المقالةِ السابقةِ عن الحلقات العَشْر للاضطهاد التى بدأت مع الإمبراطور الرومانى نيرون عام ٦٤ م، ثم دومتيان، لتستمر فى عهد تراجان، ومن بعده مرقس أوريليوس، وتلاه سبتيموس ساويرس؛ حيث كان يقدم الشهداء دماءهم يوميًّا أو يُعدَمون.

جاءت الحلقة السادسة مع حكم الإمبراطور مكسيميانوس التراقى (٢٣٥-٢٣٨م)، الذى أعلن اضطهاده للمسيحيين؛ لمعارضته سياسة الإمبراطور السابق إسكندر ساويرس، الذى قيل عنه إنه كان متسامحًا دينيًّا، وقد اعتبر المسيحيين فى عهده أعداءَ الآلهة الوثنية، وأن غضب الآلهة مُنصبٌّ على البلاد عندما حدثت بعض الزلازل، ما أثار غضب الشعب ضدهم، كما قام باتخاذ إجراءات وأحكام عنيفة ضد رجال الدين.

ومع اعتلاء الإمبراطور ديسيوس العرش (٢٤٩-٢٥١م)، قرر أن يستأصل المسيحية، فقام بإصدار مرسوم فى عام ٢٥٠م أرسله لجميع حكام الأقاليم فى الإمبراطورية، يطلب منهم استعادة الديانة الوثنية كديانة للدولة، مُمهِّدًا لهم الطريق لاضطهادٍ وحشيّ للمسيحيين، شمل جميع أقاليم الإمبراطورية الرومانية، ليصبح أول اضطهاد شامل للبلاد. وقد وُجِدَت بعض الكتابات التى كتبها المعترفون بالإيمان فى روما بينما هم فى سجنهم إلى إخوتهم فى الإيمان فى إفريقيا يقولون: «ماذا يمكن أن يكون أكثر مجدًا؟! هل يمكن أن تهب نعمة الله للإنسان نصيبًا أكثر مجدًا وبركة من أن يعترف بالرب الإله وسط العذابات، وفى مواجهة الموت ذاته..».

لقد رأى الشهداء فى الاعتراف بإيمانهم طريقًا نحو السماء قدّمته لهم نعمة الله، كما أنه بركةٌ ومجدٌ فى مواجهة الموت الذى صار جسرًا إلى الحياة الأبدية. وفى تلك الفترة، استشهد القديس العظيم مرقوريوس، المعروف باسم «أبى سيفين»، وفابيانوس الرومانى، وبابيلاس الأنطاكى، وإسكندر الأورشليمى.

الحلقة الثامنة كانت فى عهد الإمبراطور فالريان (٢٥٣-٢٦٠م)، على الرغم من أن حُكمه بدأ لطيفًا متسامحًا، إلا أنه فى عام ٢٥٧م بدأ اضطهاده بنفى القساوسة والشعب، ومصادرة الأملاك، وتحريم الاجتماعات الدينية، إلى جانب عدد من الممارسات الأخرى، ثم لجأ إلى إصدار عقوبة الموت الفورى على رجال الدين، وتجريد البارزين من مناصبهم وممتلكاتهم، والموت لهم إنْ لم يتراجعوا عن إيمانهم. ومن أشهر شهداء ذلك العصر «سكستوس»، أسقف روما، و«كبريانوس» أسقف قرطاجنة.. أما الإمبراطور أوريليان (٢٧٠-٢٧٥م)، فقد شن سلسلة جديدة من الاضطهادات؛ حيث أصدر مرسومًا بقتلهم، ما نتج عنه مذابح فظيعة فى أماكن عدة.

جاءت أشنع وأبشع الاضطهادات فى عصر الإمبراطور دقلديانوس وأعوانه (٢٨٤-٣٠٥م).. ولقسوة وفظاعة ذلك الاضطهاد، اتخذت الكنيسة القبطية بداية حكم دقلديانوس بداية تقويمها المعروف باسم «تقويم الشهداء». ساد عهد دقلديانوس السلام مع المسيحيين، واستمر فى احترامه لمنشور التسامح الدينى الذى أصدره سلفه الإمبراطور جالينوس مدة ٢٠ سنة من حكمه، إلى أن تحوّل عن تلك السياسة المتسامحة لأسباب غير مؤكدة؛ فقد تعددت القصص عن تحوّله، إلا أن هناك شبه إجماع على أن تحوُّل الإمبراطور كان نتيجة تأثير زوج ابنته جاليريوس، الذى كان وثنيًّا متعصبًا وشرسًا لا يتوقف عن ترديد أهمية سحق الكنيسة التى اعتبرها منافسًا للدولة. وهكذا بدأت سلسلة من الاضطهادات التى شهد لها بأنها كانت من صفحة تخضبت بدماء المسيحيين فى أبشع صورها، فقد ذكر المؤرخ المقريزى عن «دقلديانوس»: «وأوقع بالنصارى فأسال دماءهم، وغلَّق كنائسهم، ومنع من دين النصارى، وحمَل على الرِّدّة وعبادة الأصنام، وأسرف جدًّا فى قتل النصارى، وهو آخر مَن عبد الأصنام من ملوك الروم».

وللحديث بقية..

و.. والحديث فى «مِصر الحلوة» لا ينتهى!

* الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى
نقلا عن المصرى اليوم