شريف البدري
إن جسد العليل قد تمكن منه وباء عضال وسكنه العجز ،وسرى فيه الوهن كما يسرى السم القاتل حتى صار الموت أعظم أمانيه .
وإن العالم ليتعجب كيف لأمة أشرقت شمسها على الدنيا وامتلكت جوهر الحضارة وقلب الجغرافيا وفلسفة التاريخ،
أن تحيا الآن خالية الوفاض تتسول على أبواب أراذل الأمم وأقحفها وأدناها علما إن كان لها علم .
يذكرنا الزمان بأن الأمة المصرية عميقة التجانس البشرى ،سامية الغايات ،خالقة الإبداع ،متجددة الأعمال والصنائع .
هى الأمة التى سادت العالم القديم علما،وعمارة ،ودولة منذ الحكومة الموحدة الثانية ٣٢٠٠ق.م (الملك مينا_نعارمر).
ومن أصلاب هذه الأمة أشرقت دعوة التوحيد من قلب ملك (إخناتون) قبل أن يكون وحى نبى أو كتاب رسول ، ثم كانت محكمة الموتى وميزان الأعمال لإنصاف الخير على الشر وإعلاء الحق على الباطل.
وهكذا سطرت حضارة الضمير الانسانى معانى القيم الخالدة (كتقديس الأديان وبر الوالدين وإجلال المرأه وتعظيم المعلم وحسن الجوار ) .
(الابن الذى يستمع لأبيه يصبح شيخا جليلا ومحبوبا من الله)،(ضاعف الخبز الذى تعطيه لأمك واحملها كما حملتك.....)،(إذا كنت تعيش قريبا من الناس فاحفظ لسانك عن عيوبهم ولا تتجسس على عورات بيت جارك فالرجل النبيل هو من يستر جاره ولا يفشى سره )، (احترم زوجةجارك ولا تنظر إليها بعين الخيانة )(إذا كنت جالسا مع معلمك فاجلس فى أدب وتحدث عندما يطلب منك الحديث .)[من تعاليم بتاح حتب وآنى وامنموبي ].
إن حضارة الأمة المصرية القديمة هى حضارة الضمير الإنساني عمادها العلم والمدنية والأخلاق ارتفع بذلك بنيانها حتى اتصلت الأرض بالسماء، وهى حضارة لا تموت، نهاياتها بدايات، متجددة الدماء والثقافات والعصور عبر الزمان .
وإذا قلنا أن جوهر حضارتنا العلم والمدنية والأخلاق وعمادها المتين وحدتها المركزية وتجانسها. فإن الجيش قوتها المسلحة كانت دوما للدفاع لا للهجوم ،فضم فينقيا فى عهد كلا من ( الملك تحتمس الثالث..والملك رمسيس الثانى ).
لم يكن لأغراض الغزو والسلب وإنما لحماية أمنها القومى وامتدادها الحيوى فى الشرق(من نص القائد وني فى الأسرة السادسة :لم ينهب أحدا من الجنود خبزا من أية مدينة ....ولم يستول أحدا على عنزة واحدة من أى شخص )
،والشرق هو الثغرة التى هددت البلاد منذ الغزو الأول(الهكسوس).
وكذلك الحال فى توسعات الجنوب (الملك سنوسرت الأول ..الملك سنوسرت الثالث)،والرحلات الإستكشافية (الرحالة حرخوف _ وبعثة الملك نخاو الثانى ).
فى الجنوب حيث يجرى النيل منبع الحياة وسر الوجود المقدس.
ولطالما ظل شعب المحروسة أصل قوتها ومغيثها والملبي دعوتها عند الندا .
فهم جنود أحمس البواسل فى معركة التحرير، وهم بنيانها المرصوص عند قتال قطز المغول، وكذلك هم جنود إبراهيم باشا الذي خاض بهم غمار حرب اليونان (١٨٢٨م) .
وهم ثوارها المشتعلين بمصابرتهم فى وجه مدافع نابليون وكليبر إبان ثورتى القاهرة الأولى والثانية .وهم من قارع محمد على بعقولهم أبواب أوروبا النهضة فابتعثهم لمدارسها الحديثة .
وشعب المحروسة هو من ضمد جراح هزيمة (١٩٦٧م)،ونفخ من روحه فى قائده جمال عبد الناصر،وصمد فى حرب الإستنزاف وتخطى مشاق الحياة العسرة حتى تحقق نصر أكتوبر المجيد .
فهذه الأمه المتجانسة.. المتدينة..المث
المصابرة ..المكافحة..المستنيرة حينا..هى أصل القوة بعناصرها المتعددة وآمالها العريضة وآلامها الطويلة .
لقد كانت أمراض هذه الأمة وانتكاساتها تكشف عن حاجة ملحة لمن يصلح أحوالها ،ولكن لتعس حظها أنه لم تنضج ثمار أية حركة إصلاحية حيث وإدت جلها فى بداياتها .
فخذ عندك مثلا( الشيخ حسن العطار)اصطدمت دعوته لاصلاح الازهر ببعض علمائه المنغلقين وهو من أوعز الى محمد على بإرسال بعثات علمية إلى اوروبا ،يقول عنه تلميذه (رفاعة الطهطاوى:)<كانت له مشاركة فى كثير من العلوم حتى فى العلوم الجغرافيةوكان يطلع دائما على. كتب المعرفة من تواريخ وغيرها>.
ولا يخفى على أحد أن تجربة محمد على للنهضة قامت أساسا على طموح الاستقلال والتوسع وتثبيت العرش العلوي ولم يصب منها الوجدان المصري إلا الجبر والخوف ؛وفي ذلك يرى
(الإمام محمد عبده)في مقاله بمجلة المنار حول آثار محمد علي :أن حكم محمد علي باشا كان عمرانا ظاهريا للأرض على حساب إنسان النفوس والحرية.
وأما عن نهضة مصر في عهد<< الخديو اسماعيل>>
وهي أكثر استنارة فقد أودت بها سياسته المالية الكارثيةبل وأودت باسماعيل ذاته إلى النفى والعزل فى عام ١٩٧٩م .
أما الإمام محمد عبده وبعد أن أبدى ندمه على المشاركة في الثورة العربية بعد النفي. كما ارتد عن أفكار أستاذه ((جمال الدين الأفغاني))ومد يده( للورد كرومر)ظنا منه أن سلطات الاحتلال الانجليزى تتركه وشأنه ليحقق مشروعه الإصلاحي.
غير أن عيون الاحتلال كانت تنظر منذ البداية إلى تسطيح العقول وتجهيل الأمة وإشاعة التخلف وتخريج فئة من الموظفين تصلح فقد لخدمة مصالحه.
أما التجربة الليبرالية الديمقراطية ((ما بعد ثورة ١٩١٩م)) وهي الأفضل دستوريا والأسمى ثقافيا فقد أجهضها إنقلابات دستورية من الأب والابن (الملك فؤاد الأول ...وابنه الملك فاروق)وكذلك تلاعب الانجليز بالأحزاب .
في حين ظل التعليم قاصرا على الأفندية فى العاصمة وحواضر الأرياف ما عكس خشية الأسرة المالكةمن نشر التعليم بين أبناء الفلاحين والعمال وهم أغلب أهل البلاد وقوة إنتاجها .
وهو ما تأكد حينما لم تلق دعوات (طه حسين) لمجانية التعليم صدى يذكر .
بل وعانى أبناء الفلاحين والعمال الأمرين <<الظلم الاجتماعى...والجهل المستوحش>>.
في حين ظل البرلمان حكرا على طبقات بعينها منذ أن افتتح الخديو اسماعيل مجلس شورى النواب عام ١٨٦٦م.
أماثورة يوليو عام ١٩٥٢م بما لها من نجاحات سياسية (كتأميم قناة السويس وتحقيق الجلاء وإعلان الجمهورية )،ونجاحات إقتصادية وإجتماعية(كمجانية التعليم وبناء الوحدات الصحية وتوزيع الأراضى على الفلاحين وبناء السد العالى وإقامة بنية صناعية وتمكين المرأه المصرية).
إلا أن الثورة فشلت في إقامة حياة ديمقراطية سليمة





