محرر الأقباط متحدون
أكد البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أن الأجداد والمسنين يمثلون جزءًا أساسيًا من ذاكرة العائلة والكنيسة والمجتمع، مشددًا على أهمية نقل الإيمان والخبرة والقيم من جيل إلى آخر، وذلك خلال احتفالية اليوم العالمي السادس لراعوية الأجداد والمسنين التي أقيمت في الكرسي البطريركي بالديمان.

وجمعت الاحتفالية، التي نظمتها اللجنة الأسقفية الكاثوليكية للعائلة والحياة بالتعاون مع لجنتها الفرعية لراعوية الأجداد والمسنين، نحو 500 شخص من الأجداد والمسنين والأطفال والعائلات، تحت شعار «أنا لا أنساك أبدًا»، وهو العنوان الذي اختاره قداسة البابا لاوون الرابع عشر للمناسبة.

وفي مستهل القداس، رحب المطران الياس نصار، رئيس اللجنة الأسقفية الكاثوليكية للعائلة والحياة، بالبطريرك الراعي وجميع المشاركين، مؤكدًا أن إقامة الاحتفالية في الكرسي البطريركي بالديمان تحمل دلالة خاصة، وتعكس اهتمام الكنيسة بالأجداد والمسنين وتقدير دورهم داخل العائلة والكنيسة والمجتمع.

وأشاد نصار بجهود اللجنة الفرعية لراعوية الأجداد والمسنين برئاسة الخوري هاني طوق، وجميع المشاركين في تنظيم اللقاء، إلى جانب الأبرشيات والمؤسسات الكنسية والمتطوعين والطواقم الطبية والتمريضية الذين ساهموا في إنجاح اليوم.

وفي عظته، انطلق البطريرك الراعي من قول المسيح: «كونوا كأناس ينتظرون سيدهم متى يأتي»، موضحًا أن انتظار الرب لا يرتبط بنهاية حياة الإنسان فقط، وإنما هو دعوة لاستقباله في تفاصيل الحياة اليومية، وفي المواقف التي تتطلب إيمانًا ومحبة وشهادة حقيقية.

وأشار الراعي إلى ثلاثة مواقف أساسية ينبغي أن تميز حياة المؤمن، هي **الإيمان والمحبة والذاكرة**، موضحًا أن الإيمان الحقيقي يظهر في الأعمال والمواقف، بينما تتحول المحبة إلى خدمة فعلية للإنسان المحتاج، أما الذاكرة فتمثل أمانة نقل الإيمان والخبرة وتاريخ العائلة من جيل إلى آخر.

وشدد البطريرك على أن الإنسان يشهد لإيمانه من خلال طريقة حياته وتعاملاته مع الآخرين، داعيًا إلى أن تتحول المحبة من مجرد مشاعر وكلمات إلى أعمال تجاه المريض والغريب والمحتاج وكل إنسان يحتاج إلى الحضور والمساعدة.

وتوقف الراعي عند دور الأجداد والمسنين، مؤكدًا أنهم ليسوا مجرد جزء من ماضي العائلة، بل يمثلون «ذاكرتها الحية»، لما يحملونه من تجارب وخبرات وصلوات وتضحيات وأحداث يمكن أن تنتقل إلى الأبناء والأحفاد.

ودعا الأجداد إلى مشاركة خبراتهم مع الأجيال الجديدة، مشيرًا إلى أن الخبرة التي لا يتم نقلها تنتهي بانتهاء أصحابها، بينما تتحول الخبرة إلى ذاكرة عندما تنتقل إلى الأبناء والأحفاد وتواصل تأثيرها في الأجيال القادمة.

كما أكد أن الطفل والمسن ليسا طرفين متباعدين، بل تربطهما علاقة متبادلة، فالطفل يحتاج إلى ذاكرة وخبرة الجد والجدة، بينما يجد المسن في الأطفال من يحمل هذه الذاكرة إلى المستقبل.

وتحدث البطريرك الراعي عن قيمة الحياة ونعمة العمر، داعيًا الإنسان إلى استقبال كل يوم جديد بالشكر لله، باعتبار أن الحياة ليست أمرًا مضمونًا، وأن كل يوم يمنحه الله للإنسان يمثل فرصة جديدة للصلاة والمحبة والشهادة وخدمة الآخرين.

وقال إن تقدم الإنسان في العمر لا ينبغي أن يكون سببًا للانكفاء، بل فرصة أعمق للشكر والعطاء ونقل الخبرة والإيمان إلى الأجيال الجديدة.

وربط الراعي شعار المناسبة «أنا لا أنساك أبدًا» بمعنى الذاكرة المسيحية، مؤكدًا أن الذاكرة ليست مجرد حنين إلى الماضي، وإنما هي أمانة لما صنعه الله في حياة الإنسان والعائلة، وما عاشه الإنسان من إيمان ومحبة وتضحيات.

وفي ختام عظته، دعا البطريرك إلى تحويل رسالة المناسبة إلى صلاة يومية، طالبًا من المؤمنين أن يشكروا الله مع بداية كل يوم، وأن يعيشوا شهودًا للإيمان والمحبة، وأن يكونوا «ذاكرة صالحة» تنقل الخير والإيمان من جيل إلى جيل.

وعقب القداس، استكمل المشاركون برنامج الاحتفالية من خلال مائدة محبة جمعت الأجداد والمسنين والأطفال، إلى جانب يوم طبي تضمن فحوصات واستشارات طبية وتقديم الأدوية للمسنين.

كما تضمن البرنامج عددًا من الأنشطة الاجتماعية والترفيهية التي جمعت الأجداد والمسنين بأطفال المناولة الأولى، في أجواء أكدت أهمية التواصل بين الأجيال وتعزيز الروابط العائلية والكنسية.

واختتمت الاحتفالية في أجواء من الفرح والأخوة، بعدما شكلت الديمان مساحة للقاء بين ذاكرة الأجداد ورجاء الأجيال الجديدة، في رسالة أكدت أن الإنسان يحتفظ بمكانته ودوره في العائلة والكنيسة في مختلف مراحل العمر.