بقلم الأب يسطس الأورشليمى
قال يُوثام: مرّة ذهبت الأشجار لتمسح عليها ملكاً، فقالت للزيتُونة املكي علينا، فقالت لها الزيتُونة أأترك دُهني الذي به يُكرّمُون بي الله والناس، وأذهب لكي أملك على الأشجار.. (قض8:9-15)..
 
إنها قصة خيالية فيها يظهر الأشجار تتحرك معاً، وتُفكر وتطلب أن تُقيم لها ملكاً، وهُو بهذا يجتذبهُم للاستماع خلال التمثيل الخيالي، ومن ناحية أخرى يستطيع أن يُعلن ما في داخله من مرارة نفس دُون تجريح بأسماء معينة ما هذه الزيتُونة إلاّ الكنيسة الحّية، أي المُؤمن المُرتبط بالكنيسة والمغرُوس فيها كزيتُونة خضراء، أما أنا فمثل زيتُونة خضراء في بيت الله (مز8:52)، فالمُؤمن المُثمر بالرُوح إذ هُو مُمتليء في الداخل لا يسعى نحو السُلطة، بل يشتهي أن يخدم الله، والناس بزيت النعمة..
 
لا ينشغل بالمظاهر الخارجية مهما تكن كرامتها، إذ يقُول مع الزيتُونة صاحبة الثمر: أأترك دُهني الذي به يُكرمُون بي الله والناس، وأذهب لأملك على الأشجار؟! فما يبهج قلبها أن تُقدم زيتها في المنارة الذهبية لتحترق أمام مذبح الله، وتهب بزيتها شفاء للناس وشبعاً لهُم، يُستهلك زيتها في بيت الله وفي حياة الناس أفضل من أن تملك عليهُم..
 
التينة أيضاً كالزيتُونة تُشير إلى الكنيسة التي تضُم أعضاءها في داخلها كالبذر الرفيع تحتضنه بغلاف الوحدة والحُب..
 
كأن التينة تتمسك بالغلاف الحلُو، لتُقدم ثمراً طيباً لكُل نفس عوض الانشغال بالكرامات التي تمُزق الحب والوحدة..
 
إن كانت الزيتُونة اشتهت أن تُقدم زيتاً يحترق ويُستهلك لأجل الله والناس، والتينة تُقدم رُوح الحُب والوحدة في الجماعة المُقدسة من أجل شبع كُل نفس، فالكرمة وهي تُمثل الكنيسة، بكُونها بيت الصليب فيها يعصر العنب لينتج مسطاراً (خمراً جديداً)، فهي تفرح بالصليب والألم لكي يُسر بها الله، ويفرح الناس عوض طريق الكرامة المُتسع، إنها تقبل الطريق الكرب، والباب الضيق من أجل الرّب والخلاص (مت14:7)، وهُو يُشير إلى فرح الله المُرتبط بذبيحة المسيح، لتعزيتنا المُلتحمة بالضيقات..
 
أخيراً إذ جاءت الأشجار إلى العُوسج تطلب ذات الأمر..
 
العُوسج نبات ذُو أشواك يظهر في المناطق الجافة لا يحتاج إلى مياه كثيرة، لقد طلب العُوسج من الأشجار أن تحتمي تحت ظله مع أن الأشجار أكثر علواً وضخامة من نبات العُوسج الصغير الحجم، هذا وورقه وأشواكه حادة لا يستطيع أحد أن يستظل تحته، يتعرض للحرق بل ويسبب احتراق للأشجار التي بجواره، هكذا يشبه يُوثام أبيمالك بالعُوسج التي بسبب تعرضها للحريق تحطم الأشجار التي حولها..
 
يوبخ يُوثام أهل شكيم لأنهُم قتلوا إخوته الذين لا يطلبُون السُلطة بل هُم كالزيتُونة والتينة والكرمة يودُون الخدمة والبذل، وأقامُوا أبيمالك العُوسج الذي يحترق بشرّه ويحترقُون هُم معه بعد أن تصيبهُم أشواكه المُؤذية القاسية..
 
ظنُوا في اختيارهُم لمَن هُو من مدينتهُم أنه قادر أن يسندهُم، لكنهُم لم يُدركُوا أن شرّه كالنار تخرج منه كما من العُوسج لتحرقهُم مع أنها كأشجار الأرز، وبسبب شرّهُم إذ اشتركُوا معه في قتل إخوته السبعين، وتمليك رُجل فاسد قاسي عليهُم تخرج نار لتأكله هُو.. 
 
كأن الاختيار السييء للقيادة الرُوحية مُهلكة للخادم والمخدُومين معاً، إنه احتماء بالعُوسج المملوء أشواكاً، يظن أنه قادر على حماية غيره، فإذا به يلتهب بنار الشرّ فيحترق ويحرق المُحتمين فيه..
 
لم يكن ممكناً ليُوثام أن يهرب من أهل شكيم الذين ملكُوا أبيمالك عليهُم، أي يهرب من الشرّ الذي يرى في إبليس ملكاً عليه، إلا بالاحتماء في البئر، أي مياه المعمُودية، التي فيها سحق المسيح إبليس تحت قدميه، واهباً إيانا برُوحه القدُوس رُوح البنُوة فنقبل الله الآب..
 
حسن للإنسان أن يذكر ضعفاته التي لا تنقطع ليسلك برُوح الاتضاع، لكنه لا يكن جاحداً لأعمال الله معه، إذ طرد من أمامه خطايا عظيمة وقوية قد سيطرت عليه زماناً، لنشكره من أجل إحساناته علينا، حتى يكمل عمله معنا، فليست عطية بلا زيادة إلا التي بلا شكر..
 
لهذا يُخطيء الكثيرُون حينما يعترفُون بخطاياهُم وضعفاتهُم دُون أن يعترفُوا بعمل الله معهم أيضاً، نشكر الله على إحساناته، ونعترف بضعفاتنا، إذن لنسمع مزمار الله المُفرح فنرقص رُوحياً مسبحين إياه على كثرة إحساناته، هذا الذي طرد شعوباً من قلوبنا الداخلية، ولنسمع نحيبه على خطايانا فنبكي ليتحنن علينا ويطرد كُل بقية شاردة فينا..
 
ليتنا لا نخاف إبليس وكُل جنُوده، لأن الرّب إلهنا يحارب عنا حتى يدخل بنا إلى كمال مجده الأبدي، حقاً إن إبليس مُرهب بعنف حيله وثقل خطاياه التي تضغط على الإنسان، لكنه بلا سُلطان علينا إن كنا نسلك في الرّب، ونحمل في داخلنا رُوح الله الناري، فنحمل السُلطان أن ندُوس على الحيات والعقارب وكُل قوات العدُو (لو19:10)..