حمدي رزق
مأثورة إمام الساخرين طيب الذكر «أحمد رجب»: «أمدح وطنى ويشتموننى.. خَيْرٌ مليون مرة.. من أن أشتم وطنى ويمدحوننى». أستعيدها كل عام فى ذكرى وفاته (١٢ سبتمبر ٢٠١٤) وأراجعها كل حين، وأقف على حروفها مليًّا، وأتمعن عمق الفكرة، ووطنية المعنى، والجسارة فى الذود عن الحياض المقدسة.
الله يرحمك يا عم أحمد، كان معجونًا بالمصرية، ومعبرًا بلسان فصيح عن الوطنية الحقة، أتذكر مأثوراته، وبين ظهرانينا من يغرد خارج السرب الوطنى بحثًا عن «مصلحة» شخصية وقتية عابرة على حساب وطنه، ويتماهى فيه البعض مع أعداء وطنه، وينشب فيه البعض أظافره الطويلة فى عنق وطنه، طلبًا لمصلحة زائلة ستزول بزوال المؤثر (المصلحة العابرة)، والحكمة تقول «خذوا المناصب والمكاسب لكن خلولى الوطن» (بدموع لطفى بوشناق).
الله يرحمه العم «أحمد رجب» كان يرد عن المحبين لوطنهم غلو الرافضين، تلطفًا لا أقول الكارهين جزافا، فإذا ما ارتأى كاتب فى وطنه جمالًا، وعبر عنه امتنانًا، وكأنه ارتكب الكبيرة، سلقوه بألسنة حداد، صلبوه على حوائط الفيس.
جرب تكتب ممتنًا محبًا لوطنك، ستتحول من فورك إلى لوحة نيشان، هدفًا لسهام مسمومة، زبانية الإخوان والتابعين يرهبون الوطنيين، ويقصفون رؤوس المحبين، ويقيمون محاكم تفتيش فى النوايا، إنت بتقول وطن، يبقى إنت اللى قتلت بابايا. (بصوت الراحلة الجميلة شويكار).
لو خشى كل مفكر أو كاتب أو فنان أو أديب من مغبة ما يعبر عنه محبًا لوطنه، لكانت خسارة فادحة، نخسر الجلد والسقط، ولاحتل الفضاء الوطنى من يعتمل ثأرًا، ولخلت لهم الساحة الخلفية يمرحون فيها يتقافزون على جثة الوطن.
لو كان الساخر الكبير «أحمد رجب» بيننا، لخرج علينا محفزًا بمأثورته، «أمدح وطنى ويشتموننى..»، ولمدح وطنه كثيرًا، ووقف فى ظهر وطنه مرابطًا، وذب بقلمه الذباب الإلكترونى عن وجه الوطن الجميل.
الخشية من الكتائب الإلكترونية الموجهة، تورثنا قعودًا عن خوض «معركة الوعى»، معركة كتبت علينا، معلوم الجندى يدافع عن الحدود بسلاحه، والكاتب يزود بقلمه، والمفكر بفكره، والعامل بعرقه، والفلاح فى حقله، والمعلم فى فصله، وكل محب عليه أن يصف فى الصف الوطنى مدافعًا عن الحياض المقدسة. اختلف ما شئت وشاء لك الهوى، حول الأولويات، والاختلاف فى الرأى لا يفسد للود الوطنى قضية، ولكن مقاصد الوطن العليا أولى بالرعاية، إزاء مهددات وجودية عاتية تحركها أجهزة استخباراتية تروم فتن الشعب فى مفرق وجودى، طنين الذباب الإلكترونى يصم الآذان، حذارِ من الشيطان يتربص بنا الدوائر.
المنهج العاقل الراشد مؤداه «رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب»، وهذه منسوبة للإمام الشافعى، وهناك أخرى منقولة عن الفيلسوف الفرنسى «فولتير» تقول «قد أختلف معك فى الرأى ولكنى مستعد أن أدفع حياتى ثمنًا لحقك فى التعبير عن رأيك».
مثل هذه القواعد الحوارية للأسف مفتقدة فى الحوار المجتمعى، وأكثر وضوحًا بين النخب المسيسة، حوارات النخب ملؤها الترهيب، والتخوين، آفة حارتنا التخوين، لم تبرأ الساحة الحوارية الوطنية من أمراضها المزمنة والسارية. الاغتيالات المعنوية ونشهد طرفا منها، باتت فزاعة لكل صاحب رأى يعتقده صوابًا، وتجرأ وأعلنه على الناس.
الاستهدافات صارت مشاعًا، والكل مستهدف بقنبلة دخانية تطلق فى أثر كل من يفكر مجرد التفكير فى الإشارة لمنجز، أو لمعلم، أو لقرار يرتجى منه نفعًا، فيخر صريعًا فى الفضاء الإلكترونى ويحط على رأسه الذباب الإلكترونى الأسود.
نقلا عن المصري اليوم





