د. مصطفى راشد
من المفترض أن يكون الحوار الفكرى قائماً على الحجة والدليل والبرهان، لكن تتحول الخلافات الفكرية والدينية فى بلادنا العربية بشكل حصرى إلى حملات من التشويه بالأكاذيب والسب البشع والتهديد اليومى بالقتل، فنجد الإخوان والسلفيين معتمدين على جمهورهم الواسع، الذى لا يقرأ ويرفض استخدام العقل والمنطق والأخذ بالدليل والبرهان.

وتجربتى الشخصية معهم حية ومستمرة منذ ٢٥ عاماً حيث لم يتمكنوا من مواجهتى علمياً، فاتجهوا إلى الشائعات والاتهامات والتهديد بالقتل ضدى، بهدف التأثير على صورتى أمام الرأى العام. ومن هذه الاتهامات: أننى لست أزهرياً، وشهاداتى مزورة، وخريج جامعة تل أبيب، وأننى ممول وعميل ومسيحى، ومرة يهودى، وأخرى بهائى، وصدرت ضدى أحكام فى أستراليا ومصر ولم يذكروا أرقام القضايا كى أعرفها، لأننى لم أكن مشكواً طوال حياتى ولا متهماً. ولأننى أعرف الإخوان جيداً حيث كنت عضواً مهماً بالإخوان وأنا طالب بكلية الشريعة والقانون، ومن المقربين للمهذب الحاج عباس السيسى صاحب مصانع الجبنة والثلج بالبحيرة والأسكندرية وعضو مكتب الإرشاد، وأيضاً كنت حاضراً بمساجد وتجمعات السلفيين وأعرفهم جيداً وأعلم طباعهم، لكن وجدت، حسب وجهة نظرى ودراستى الأزهرية، أن فهمهم للشريعة والإسلام خاطئ، وإدراكهم لمجمل الإسلام من أحكام وعبادات ومعاملات خاطئ، لذا تركتهم غير آسف. لذا كان عليهم لمواجهة أفكارى أو اجتهاداتى، سواء فى كتبى الـ٣٢ أو فى برامجى أو مقالاتى أو أبحاثى أو الفتاوى التى يختلفون معى فيها، بسعيهم لتقديم الأدلة ضدها وتفنيدها والرد عليها بالنصوص والمصادر والدراسات، وليس إطلاق الاتهامات دون وثائق. لكن للأسف الإخوان والسلفيين يعتبرون المخالف لهم مباحاً سبه ورميه بالكذب والإشاعات، لأن غالبية هذه الشخصيات لا ضمير لها، ولا تؤمن بالإنسانية، والاختلاف الفكرى عندهم سبب لإقصاء الآخر أو محاولة إسكات صوته. ولا يدركون أن الأفكار، مهما كانت مثيرة للجدل، فهى نسبية لأن لا أحد يملك الحقيقة المطلقة، لكن يمكن مناقشة الأفكار ونقدها والرد عليها. وما أتعرض له أنا يمثل محاولة لـ«الاغتيال المعنوي» لمشروعى الفكرى المتواضع كله، لأنه لو كانت هناك اتهامات محددة ضدى فإن الرد عليها ينبغى أن يكون بالوثائق والمستندات والأدلة القابلة للتحقق أو تقديم بلاغ ضدى، لكن من ٢٥ سنة يكررون الأكاذيب والإشاعات واصطناع الفيديوهات المفبركة والمقطعة لإيهام الناس بأشياء غير حقيقية، وذلك يحدث من المئات يومياً، رغم أنى لا أمنع أى باحث أو مؤسسة علمية أن تناقشنى على الهواء وتكشف مواضع الخطأ، إن كانت موجودة، بالدليل. أما إطلاق اتهامات عامة دون تقديم أدلة واضحة، فهذا إفلاس فكرى وسوء تربية وينم عن صفات إجرامية، ويحوّل النقاش الفكرى إلى صراع شخصى.

وأنا أقول دائماً إنه من حق من يخالفنى الرأى أن ينتقد أفكارى بشكل علمى، كما أضع على موقعى مقولة: (رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب) لأن المعيار الذى يجب أن يحكم الجميع هو الدليل والحجة والسند، وبالنقاش الهادئ المسؤول، ووضع الأفكار تحت الاختبار وأن يترك للقارئ والباحث مهمة الحكم عليها. فإذا كان هناك خطأ فى فكرة فليكشف بالدليل، وإذا كانت هناك معلومة غير صحيحة فلتصحح بالوثيقة، وإذا كان هناك اتهام فليقدم عليه البرهان أو البلاغ؛ لأن الحقيقة فى النهاية لا تنتصر بالصوت الأعلى والسباب والتهديد بالقتل، وإنما بالدليل الأقوى، فقد قتلوا د. فرج فودة وظلت أفكاره أكثر انتشاراً بعد موته، أفلا تعقلون.
نقلا عن المصري اليوم