بقلم: أيمن فايز
حين يصبح المتداول أقوى من الموثَّق

منذ أوائل التسعينيات وأنا أزور الكنيسة المعلّقة بمصر القديمة. تغيّر المرشدون، وتبدلت الأفواج واللغات، وبقيت أمام إِيقونة السيدة العذراء جملة تكاد لا تتغير: «الموناليزا القبطية».

ثلاثون عامًا وأكثر جعلتني لا أبحث عمن قالها أول مرة، بل عن شيء أخطر: كيف تعيش معلومة كل هذا العمر من غير أن نعرف من أين جاءت؟
فالمشكلة لم تعد في التشبيه نفسه. يستطيع أي إنسان أن يرى شبهًا بين عملين، وأن يقول إن عينًا تذكره بعين أو وجهًا بوجه. هذه حرية الانطباع. لكن متى خرج الانطباع من فم صاحبه، ودخل خطاب الإرشاد، واستقر داخل موقع أثري، وتكرر أمام آلاف الزوار، حدث شيء آخر: اكتسبت الحكاية سلطة لم يمنحها لها البحث، بل منحها لها التكرار.

وهنا تبدأ الأزمة.
أنا أقدّر عبقرية ليوناردو دافنشي، ولذلك لا أقبل ظلم الموناليزا ولا ظلم الإِيقونة بإجبار إحداهما على تفسير الأخرى. فكون العين تبدو كأنها تلاحق المشاهد لا يصنع علاقة تاريخية بين عملين، ولا مدرسة فنية، ولا تأثيرًا، ولا نسبًا.

وإذا كان اسم «الموناليزا القبطية» توصيفًا علميًا، فأين بدأ؟ وفي أي توثيق ظهر؟ وعلى أي دراسة استند؟ وإذا لم نعرف، فلماذا نقدمه للزائر وكأننا نعرف؟
هذه هي القضية، لا الموناليزا.

نحن أمام خلل صغير في ظاهره، لكنه يكشف طريقة كاملة في صناعة «المعلومة»: يقولها أحدهم، يكررها آخر، يسمعها زائر، يكتبها موقع، ثم يأتي شخص ثالث فيجدها منشورة في أكثر من مكان فيظن أن تعدد الناقلين يعني تعدد المصادر، بينما قد تكون السلسلة كلها خارجة من فم واحد لا نعرفه. وهكذا يصبح للتكرار ما لم يكن للدليل.

والأخطر أن الرواية قد تسافر مع السائح إلى الخارج، فتدخل مقالًا أو موقعًا أجنبيًا، ثم تعود إلينا بعد سنوات وقد اكتسبت هيبة جديدة: «المصادر الأجنبية تقول». نصدّر الحكاية… ثم نستوردها وثيقة. وهنا لا تعود المسألة طريفة.

والأمر لا يقف عند «الموناليزا القبطية». ففي الخطاب المتداول تُنسب أحيانًا إِيقونات بعينها إلى القديس لوقا الإنجيلي باعتباره رسامها. وجود تقليد كنسي قديم يربط القديس لوقا بصور العذراء أمر، ونسبة قطعة أثرية محددة إلى يده أمر آخر. الأول تقليد له تاريخه ومصادره ومكانته، والثاني دعوى تاريخية.

والدعوى التاريخية لا تصبح حقيقة لأنها قيلت داخل كنيسة. هنا نحتاج إلى تاريخ العمل، ومادته، وتقنيته، وأقدم توثيق له، ومتى ظهرت نسبته إلى القديس لوقا، وما الدليل التاريخي أصلًا على ممارسته الرسم. طرح هذه الأسئلة ليس اعتداءً على التقليد ولا على الكنيسة؛ العكس هو الصحيح: حين ننسب إلى المقدس ما لا نستطيع إثباته، فنحن لا نحمي المقدس؛ نحن نحمّله مسؤولية كلامنا نحن.

وسأترك «لوقا الرسام» لدراسة مستقلة؛ فالقضية أكبر من جملة عابرة، والعلم لا يصحح رواية غير موثقة برواية مضادة غير موثقة.

لكن «الموناليزا القبطية» تكشف تناقضًا آخر ربما يكون أعمق من التسمية نفسها. نتحسس أحيانًا من الحديث عن حضور التقليد القسطنطيني أو البيزنطي، أو التقاليد الفنية الشرقية المتبادلة في الفن القبطي، كأن الاعتراف بالتفاعل ينتقص من قبطية العمل. ولعل المشكلة أحيانًا في الاسم قبل أن تكون في الفن؛ فـ«البيزنطي» لا يصل إلى الأذن دائمًا بوصفه مصطلحًا فنيًا فقط، بل يحمل وراءه ذاكرة سياسية وكنسية وصراعات تاريخية، فنخلط من حيث لا نشعر بين تاريخ السلطة وتاريخ الصورة.

ثم تحدث المفارقة. ما نسميه في خطابنا الكنسي الحديث «الفن الإيطالي» دخل الكنائس، وانتشرت نماذجه وصوره، وأصبح مألوفًا إلى حد أننا نكاد نتعامل معه كأنه مدرسة لها أصولها المستقرة داخل المكان، من غير أن نسأل دائمًا: متى دخل؟ ومن أين جاءت نماذجه؟ وكيف تحول الوافد إلى مألوف؟ ثم نذهب خطوة أبعد، فنضع فوق إِيقونة مصرية اسم أشهر لوحة إيطالية: الموناليزا!

وهنا يسقط المعيار أمام نفسه. فإذا كان «البيزنطي» يثير سؤال الهوية لأنه غير قبطي، فبأي منطق أصبح الإيطالي مألوفًا إلى درجة أننا لم نعد نراه وافدًا أصلًا؟

ليست القضية أن نستبدل خصومة مع البيزنطي بخصومة مع الإيطالي؛ كلاهما سيكون جهلًا جديدًا. القضية أن المدرسة الفنية ليست عقيدة، والتأثير ليس تحولًا مذهبيًا، والهوية ليست فصيلة دم.

الفن لا يتحرك بجواز سفر. ومجمع خلقيدونية سنة 451 أحدث انقسامًا كنسيًا عميقًا، لكنه لم يجعل مصر وسوريا وفلسطين والقسطنطينية تستيقظ في صباح اليوم التالي وقد أغلقت الحدود أمام الصورة والمخطوط والفنان والنسيج والصيغة البصرية. الانقسام العقائدي لا يرسم حدودًا فنية في ليلة واحدة. وحين نقرأ الفن القديم بخريطة حساسياتنا الحديثة، لا ندافع عن الهوية؛ نحن نعيد اختراع التاريخ على مقاسنا.

وهنا يظهر أصل الأزمة: نحن لا نعاني نقص التراث، بل نقص المعرفة الدقيقة به. ولهذا نستعير أحيانًا اسمًا مشهورًا لكي نشرح عملًا لم نمنحه ما يكفي من الدراسة.

السائح الذي يدخل الكنيسة المعلّقة لم يأتِ يبحث عن أوروبا في القاهرة. هو يعرف الموناليزا، لكنه ربما لا يعرف المسيحية المصرية، ولا تاريخ الرهبنة التي خرجت من صحراء مصر وتركت أثرها في العالم، ولا القديس أنطونيوس الكبير، ولا كيف تكوّنت اللغة البصرية للفن المسيحي في مصر، ولا ما أخذته من محيطها وما أعادته إليه. لقد قطع آلاف الكيلومترات ليعرف ما لا يعرفه عنا.

فإذا جاء العالم إلى مصر ليسأل: مَن أنتم؟ فلماذا نجيبه: نحن نشبه غيرنا؟
هذه ليست وطنية خطابية، إنها مشكلة في طريقة تقديم المعرفة.

ولا أريد أن أعلّق كل ذلك في رقبة المرشد السياحي. قد يكون المرشد نفسه ضحية المعلومة التي ورثها. وهنا السؤال الحقيقي ليس: مَن أخطأ؟ بل: مَن كان يجب أن يصحح؟

حين تمنح الدولة مرشدًا ترخيصًا ليشرح تاريخ مصر للعالم، فالرخصة لا تمنحه حق الكلام فقط؛ إنها تمنح كلامه ثقة رسمية في أذن السائح. فأين تحديث المادة العلمية؟ وأين مراجعة ما استقر في الخطاب السياحي؟ وأين المتخصص في الفن المسيحي والإِيقونوغرافيا من إعداد المعرفة التي تقدم في هذه المواقع؟
والكنيسة أيضًا، بكل الاحترام الذي تستحقه، ليست خارج السؤال. فالكنيسة حارسة الإِيقونة، ولذلك لا يمكن أن تكون غير معنية بحراسة المعرفة عنها. إذا ظلت رواية تتردد داخل موقع كنسي أثري عشرات السنين، فمن المشروع أن نسأل عن البطاقة العلمية، والتوثيق، والمصدر الذي يرجع إليه المرشد، والتعاون بين الكنيسة والأثري ومؤرخ الفن والمتخصص.

الحقيقة لا تهدد الكنيسة. الذي يهدد المعرفة هو أن يصبح الصمت ختمًا على المعلومة.

وهكذا نصل إلى أخطر ما في القضية. ليس أن شخصًا أخطأ، ولا أن مرشدًا كرر حكاية، ولا حتى أن موقعًا نقلها. الأخطر أن الخطأ حين يطول عمره، ويتعدد ناقلوه، ويُقال في المكان نفسه، ولا يجد أمامه مراجعة، يبدأ في فقدان شكله كخطأ. يتحول إلى موروث معرفي. ثم يصبح الاعتراض عليه هو الذي يحتاج إلى إثبات، بينما الرواية نفسها لم يُطلب منها يومًا أن تقدم دليلها.

وهنا تنقلب قواعد العلم رأسًا على عقب: الرواية بلا دليل تصبح هي الأصل، والباحث الذي يسأل عن الدليل يصبح هو المتهم بالتشكيك.

وهذه ليست أزمة إِيقونة واحدة؛ هذه أزمة طريقة تفكير. فالتاريخ له منهج، والعقيدة لها مصادرها، والتقليد له مكانته، والفن له أدواته، والحكاية لها حقها في أن تبقى حكاية. لكن الخلل يبدأ عندما نخلط الجميع في جملة واحدة… ثم نمنحها اسم «معلومة».

بعد أكثر من ثلاثين عامًا من سماع «الموناليزا القبطية»، لا يهمني كثيرًا مَن اخترع الاسم. يهمني أننا ورثناه من غير أن نسأله عن مصدره. فالخطأ الأول قد يكون جهلًا، والثاني قد يكون حسن نية، لكن حين تتوافر أدوات البحث ويظل الخطأ محصنًا بالتكرار، فنحن أمام شيء آخر.

فالخطأ لا يصبح حقيقة لأنه شاخ.

مصر لا تحتاج إلى تاريخ أجمل من تاريخها، والفن القبطي لا يحتاج إلى إنكار من تأثر بهم أو من تأثروا به، والكنيسة لا تحتاج إلى أسطورة تحمي إِيقونتها، والقديس لوقا لا يحتاج منا إلى فرشاة لم يثبت التاريخ بعد أنها كانت في يده، والموناليزا لا تحتاج أن تصبح قبطية.

ما نحتاجه أصعب: أن نحترم الحقيقة حتى عندما تفسد علينا الحكاية الجميلة.

لأن أخطر ما يحدث للرواية غير الموثقة ليس أن يصدقها شخص، بل أن يكررها جيل، ويسكت عنها جيل، وينقلها جيل، حتى يستقبلها الجيل التالي لا باعتبارها رواية… بل باعتبارها وثيقة.
للإِيقونة حُرمة… وللتاريخ أمانة.