حلمي النمنم
كثرت المقالات والأحاديث بالصحافة والمواقع العربية والمصرية، فى ذكرى مرور ربع قرن على حادث «11 سبتمبر 2001»، جانب كبير من الأحاديث تناول رد الفعل الأمريكى على الحادث والحروب التى خاضتها وما زالت الولايات المتحدة تخوضها وحجم الخسائر فيها ومنها، خاصةً فى منطقتنا من أفغانستان إلى العراق، ويمكن أن نعتبر موجة «الربيع العربى» امتداداً لتلك الحروب التى شنتها الولايات المتحدة.
تناولت بعض المقالات والأحاديث الجانب الفكرى أو الأفكار المتطرفة التى قادت إلى تلك العملية التى نفذها «تنظيم القاعدة»، خاصةً أن تلك الأفكار ازدادت حدة بعد ذلك مع تنظيم «داعش» الذى حل محل القاعدة الذى أنهكته الضربات الأمريكية ثم نجحت فى اغتيال قائده أو أميره أسامة بن لادن.
يذكرنا ذلك بتناول مسألتى التطرف والإرهاب فى مصر، إذ يتم التركيز -غالباً- على الأفكار فقط، وعلى طريقة أنه فى كل قضية لا بد من وجود مقصر أو مذنب، ومع كل أزمة يتم -عادةً- توجيه اللوم إلى المفكرين والمثقفين وإلى العلماء بأنهم لم يقوموا بواجبهم فى تفنيد ونقد الأفكار المتطرفة ونشر الثقافة، حتى إن أحد زملائنا الإعلاميين صاح على الشاشة فى وجوهنا مرة، قائلاً: لو أن الشاب قرأ كتاباً أدبياً واحداً لما صار متطرفاً ولا اتجه إلى الإرهاب، هكذا بكل سهولة وبساطة، وكأن الأستاذ سيد قطب لم يقرأ كتاباً أدبياً فى حياته، ولم يستمع إلى العقاد ولا جلس أمام طه حسين وأحمد أمين!!
أحد الذين زاملوا أيمن الظواهرى فى الدراسة قال لى إن أيمن فى بداياته كان يقرأ شكسبير باللغة الإنجليزية وكان يردد عليهم بعض مقاطع من أعماله.
ينسى هؤلاء جميعاً أن فضيلة الشيخ د. محمد حسين الذهبى، العالم الجليل، أستاذ التفسير فى جامعة الأزهر، فقد حياته قبل 49 سنة، بعد اختطافه من منزله، لأنه واجه أفكار التطرف والتشدد التى طرحها تلميذ سيد قطب... شكرى مصطفى، وكان اسم فضيلة الشيخ د. محمد سيد طنطاوى على رأس قوائم الاغتيالات لفترة طويلة، وهو مفتى الجمهورية، لأنه رأى من واجبه الرد على المتشددين ولما صعب عليهم اغتياله عملوا على اغتيال سمعته واسمه رحمه الله.
وكذلك فقدنا، صيف سنة 1992، المفكر الجسور د. فرج فودة، الذى أوقف حياته وجهده على مواجهة وتفنيد تلك الأفكار، فتلقى عدة رصاصات فى صدره جهاراً نهاراً. كما جرى طعن نجيب محفوظ (أكتوبر 1994) بسكين فى عنقه أمام منزله، وضمت قوائم الاغتيالات أسماء كبار الكتاب والمفكرين والفنانين من مختلف الأجيال، مثل المستشار محمد سعيد العشماوى، د. رفعت السعيد، الفنان عادل إمام وسواهم.
كل من لم يسايرهم وحاول كشف ما يخططون له كان هدفاً لهم جسدياً ومعنوياً، حياً أو ميتاً.
لم يقف دور الكتاب على تفنيد تلك الأفكار وانتقادها، بل إن د. طه حسين له دراسة مبكرة، نشرت فى مجلة «الكاتب المصري»، حذر فيها من تلك الأفكار واحتمالات ظهورها، كانت الدراسة بعنوان «ثورتان»، أشار فيها بوضوح كاف إلى أفكار الخوارج التى تحولت إلى حركة دمرت مدناً بأكملها وأضعفت الدولة العباسية وهزت صورتها، هذه الدراسة موجودة فى كتاب العميد «ألوان»، الكتاب يضم مقالاته ودراساته فى مجلة «الكاتب المصري» التى كان رئيساً لتحريرها.
بالتأكيد لا يقوم تطرف مجموعة معينة أو تنظيم ما دون فكرة محددة، صلبة أو هشة، غالباً الأفكار التى يراد بها اجتذاب جماهير عريضة تكون بسيطة وربما هشة تنطوى على بعض التناقضات والمغالطات، ومن الضرورى دائماً مناقشة الأفكار وتفنيدها ودحض ما تتبناه من أفكار أو تدعو إليه، لكن الأفكار وحدها لا تقود المجتمع أو تأخذه إلى الفضيلة والاعتدال أو التشدد والارهاب، كما أن الرد على الأفكار وتفنيدها ثقافياً وأدبياً، بل وحتى عقائدياً، لا يعنى تراجعها التام، قد يحول ذلك دون انتشارها الواسع، لكن لا يبطل عملها كلياً، والنموذج أمامنا فى أفكار «حسن الصباح» وجماعته «الحشاشين»، حيث قام صاحب كتاب «الإحياء»، الإمام أبو حامد الغزالى -حجة الإسلام- بالرد عليها بإفاضة وعمق فى رسالته المهمة «فضائح الباطنية»، رغم هذا استمر إجرام وإرهاب جماعة حسن الصباح، وحاولوا اغتيال القائد الفذ صلاح الدين الأيوبى فى ذروة مواجهته مع جيوش الصليبيين، حتى جاء الظاهر بيبرس، بعد الانتهاء التام من الصليبيين، واتخذ خطوات جبارة بحقهم، نتج عنها أن توقفت شرورهم ثم تحولوا إلى النقيض.
كثير من الأفكار نائمة فى عشرات الكتب على أرفف المكتبات وخزائنها، أفكار الخوارج موجودة ومتاحة طوال الوقت، وكانت موضع بحث ودراسة، فضلاً عن التفنيد، بل الرفض والإدانة، الأفكار النازية تراجعت بهزيمة هتلر لكنها لم تمت، الأفكار موجودة دائماً، الطيب منها والخبيث، السلبى والإيجابى، المهم أن يكون هناك تنظيم ما، جماعة أو حزب أو حتى شخصية عامة، يتبناها ويحاول أن يخترق بها الواقع، يجند الأنصار ويحدد الخصوم والأعداء، ينزل بالفكرة إلى الشارع وسط الناس، علناً وفى النور أو سراً فى الظلام.
ومن يراجع كتاب ابن تغرى بردى «النجوم الزاهرة فى تاريخ مصر والقاهرة»، وكذا تاريخ ابن إياس «بدائع الزهور»، ثم تاريخ الجبرتى، يلاحظ، على فترات، ظهور أحد المتشددين هنا وهناك أو أحد مدعى النبوة، ثم لا يلبث كل منهم أن يختفى وكأنه موضة أو موجة عابرة لا تلبث أن تزول أو تذوب.
الأمر يختلف فى العصر الحديث، حيث وجد مع الفكرة تنظيم سرى مغلق يأخذ الفكرة نحو العنف والإرهاب، خطورة حسن البنا ليست فى أفكاره التى تم تفنيدها مراراً وتكراراً، نفس الأمر مع سيد قطب، لكن الخطورة فى أن كل منهما أنشأ تنظيماً حديدياً يتبنى العنف والقتل، منذ اغتيال على ماهر (باشا) سنة 1945، ثم اغتيال المستشار أحمد الخازندار ومن بعده محمود فهمى النقراشى وغيرهم، إلى يومنا هذا، حيث ما زالت لديهم قوائم ومحاولات اغتيال.
بعيداً عن أفكار جماعة الإسلام السياسى، أمامنا أفكار اليمين المتطرف فى أوروبا، لا أحد يمكنه الادعاء أن تلك الأفكار وجدت من العدم، كانت موجودة طوال الوقت، لكنها كانت مهجورة إلى أن جاءت أحزاب جديدة فى فرنسا وفى ألمانيا - مثلاً- تبنت تلك الأفكار وأعادتها إلى الشارع.
باختصار، الفكرة، رغم أهميتها ودورها الجامع، ليست كل شىء، لا بد لها من كيان تنظيمى يحولها إلى دافع للتحرك داخل أفراد منخرطين أو مجموعات مسلحة «ميليشيات» تنفذ عمليات قتالية وإرهابية، بهدف خلخلة المجتمع وهز مؤسسات الدولة بما يقود إلى السيطرة عليها أو إضعافها وإسقاطها، بما يقود إلى الفوضى فيقفز من يمكنه الوثوب.
التركيز على الردود الفكرية والسياسية ليس كافياً، لا بد من وسائل وأدوات أخرى لمواجهة التنظيم، أياً كان اسمه ومسماه أو توصيفه.
نقلا عن المصري اليوم





