محرر الأقباط متحدون
في كلمته إلى المشاركين في لقاء "Fratelli tutti" دعا البابا لاوُن الرابع عشر إلى تعزيز "ثقافة التفاوض" والتعاضد، وشدّد على الكف عن الخوف من التوترات ودخول "ورش التاريخ" لإعادة رفع ما انهار وحماية الأكثر هشاشة

استقبل قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح اليوم السبت في القصر الرسولي بالفاتيكان المشاركين في لقاء "Fratelli tutti" لمجلس أساقفة أمريكا اللاتينية والاتحاد الأميركي للأساقفة الكاثوليك، الذي نظمته اللجنة الحبرية لأمريكا اللاتينية وللمناسبة وجّه الأب الأقدس كلمة رحّب بها بضيوفه وقال إن حضوركم يعبّر عن إرادة مواصلة حوار يمكنه أن يتحول إلى مسار نحو نماذج تنمية أكثر إنسانية واستدامة وتضامنًا، قادرة على صون كرامة كل إنسان، وإيلاء اهتمام خاص للذين يواجهون خطر البقاء على الهامش. ويكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة نظرًا إلى اتساع نطاق القطاعات الممثَّلة فيه، وإلى المسؤولية التي يضطلع بها العديد من المشاركين فيه في مجالات حاسمة للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولهذا السبب بالذات، يمكن لفسحة الحوار هذه أن تساعد على مواجهة التحديات التي تتعلق بمستقبلنا المشترك بقدر أكبر من الواقعية.

تابع الأب الأقدس يقول في بداية حبريتي، عندما التقيت بمجمع الكرادلة، ذكّرت ببعض الجوانب الأساسية للمسيرة التي تسير فيها الكنيسة الجامعة منذ عقود، على خطى المجمع الفاتيكاني الثاني. ومن بينها أشرت إلى ضرورة "حوار شجاع وواثق مع العالم المعاصر بمختلف مكوّناته ووقائعه". وهذا الحوار ينتمي إلى صميم رسالة الكنيسة نفسها، التي تلقت من يسوع المسيح رسالة إعلان الإنجيل لجميع الشعوب، وحمل نوره إلى الواقع الملموس لكل زمن. ويشكّل طابعها الرعوي جزءًا من طبيعتها عينها، ويلزمها بأن تنظر في وجه واقع الرجال والنساء الذين أُرسلت إليهم. كما أن مقتضى الإنجيل في الاعتناء بالفقراء يتطلب أن تتجه هذه النظرة، بصورة خاصة، إلى الذين يعانون بأشدّ وطأة من عواقب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.

أضاف الحبر الأعظم يقول لقد ذكّرت قبل أيام قليلة بأن الكنيسة مدعوّة "إلى أن تتحمّل مسؤولية الواقع، وإلى أن تكشف أيضًا التناقضات التي تميّز الحياة الشخصية والاجتماعية في العالم المعاصر"، ومن بينها تلك التي يمكنها أن ترافق تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا يفتح أمامنا إمكانات غير مسبوقة. إن التزامًا كهذا يجد جذوره في سرّ الإيمان المسيحي نفسه. فالله دخل في تاريخنا. وفي يسوع المسيح اتخذ إنسانيتنا، وأوكل إلى الكنيسة رسالة إعلان الإنجيل في الظروف الواقعية التي تعيش فيها الشعوب. ومن الكتاب المقدس إلى آباء الكنيسة العظام، مثل القديس أمبروسيوس والقديس أوغسطينوس، تعلّم التقليد المسيحي أن يميّز، داخل التاريخ، ما يخدم الإنسان حقًا، وما ينتهي به الأمر إلى الارتداد عليه.

تابع الأب الأقدس يقول وهكذا تضعنا حداثات عصرنا أمام مسؤولية مشتركة. وقد أردت في الرسالة العامة " Magnifica humanitas" أن أعبّر عن ذلك بصورة بيبلية: نحن أمام إمكانية أن "نرفع برج بابل جديدًا، أو أن نبني المدينة التي يسكن فيها الله والإنسان معًا". ولذلك، أمام التطور التكنولوجي، لا يكمن السؤال الحاسم ببساطة في ما إذا كنا نقبل أدوات معينة أو نرفضها، بل في أي إنسانية نريد أن نبني، وما المكان الذي سيكون لكل إنسان فيها. إن مسؤولية بهذا الحجم تتجاوز إمكانات أي مؤسسة منفردة. ولهذا، من الضروري أن نستعيد بقوة جديدة منطق مبدأ التعاضد، مع الاعتراف بالمسؤولية الخاصة بكل فاعل، وفي الوقت عينه، بضرورة العمل معًا.

أضاف الحبر الأعظم يقول يسعدني أن الكنيسة في الأمريكتين قد بادرت إلى إنشاء هذه الفسحة للقاء والتعاون من أجل دفع "أجندة المسؤولية المشتركة للتعاون المتعدد القطاعات بين الشمال والجنوب" إلى الأمام. فعندما تتقاسم المؤسسات العامة، والشركات، والعمال، والجامعات، والجماعات، والمنظمات الاجتماعية معارفها وقدراتها ومواردها في خدمة الخير العام، تتخذ قناعةٌ نضجت في العقيدة الاجتماعية للكنيسة، وطوّرها أسلافي بطرائق مختلفة، شكلًا ملموسًا: إن التحديات الاجتماعية الكبرى تتطلب مسؤولية مشتركة ومشاركة وتعاونًا بين مختلف هيئات المجتمع. وقد عبّر البابا فرنسيس عن القناعة نفسها عندما تحدث عن "الصداقة الاجتماعية".

تابع الأب الأقدس يقول ويمكن لأجندة المسؤولية المشتركة أن تسهم تحديدًا في ضمان ألا تتحول الاختلافات المشروعة إلى تشرذم. وقد أردت في رسالتي العامة الأولى أن أشدد على أن التعددية تحتاج إلى مبدأ وحدة يتيح لها أن تتجه نحو أسس مشتركة ونحو الغاية النهائية للإنسان. ويمكن للخبرة السينودسية للكنيسة أن تقدّم هنا درسًا مهمًا: فالإصغاء الحقيقي إلى الاختلافات لا يعني تذويبها، بل تعلّم تمييزها، والبحث انطلاقًا منها عمّا يمكن أن يخدم خير الجميع. وتصبح هذه الممارسة ضرورية بصورة خاصة في زمن تجد فيه السرديات المستقطِبة تضخيمًا فوريًا، وحيث يمكن للصراع أن يتحول بسهولة إلى أداة للسلطة. وأمام هذه الديناميكية، فإن مجرد قرار أشخاص ومؤسسات مختلفة إلى هذا الحد بأن يجلسوا إلى طاولة واحدة ينطوي بحد ذاته على مسؤولية. فالحوار الحقيقي يتطلب أكثر من مجرد الودّ: فهو يلزمنا بالبقاء في الحوار عندما تظهر مصالح متعارضة، وعندما تتطلب القرارات تنازلات ملموسة. كذلك بالنسبة إلى المؤمنين، تجد الأخوّة أساسها الأخير في حقيقة تسبق أي اتفاق: لنا أب واحد. وكما تذكّرنا الرسالة العامة "Fratelli tutti": "من دون انفتاح على أبي الجميع، لا يمكن أن تكون هناك أسباب متينة وثابتة للدعوة إلى الأخوّة".

أضاف الحبر الأعظم يقول لقد أطلقت المستجدات الجديدة في عصرنا حركة حقيقية "من التأمل والعمل"، ينبغي أن تُدار "ببعد نظر: من خلال مؤسسات قادرة على التنظيم من دون خنق، وعلى الحماية من دون أن تحلّ محل الآخرين؛ ومن خلال شركات ترى في العمل والكرامة معيارًا للنجاح؛ ومن خلال الهيئات الوسيطة والجماعات التربوية التي تعيد بناء الثقة والروابط؛ ومن خلال مواطنين ينمّون حسّ المسؤولية، والاعتدال، والتمييز، والشعور بالحقيقة". "لا تخافوا" هي وصية كرّرها أسلافي في لحظات مهمة من حياة الكنيسة. وأود اليوم أن أتبناها أنا أيضًا، لأنه " لا ينبغي على التوترات والاختلافات أن تخيفنا: إذ يمكنها أن تتحول إلى طاقات إبداعية عندما توجّهها مسؤولية مشتركة".

تابع الأب الأقدس يقول تقدّم العقيدة الاجتماعية للكنيسة مساعدة ثمينة في هذا المجال. فكثير من المنظمات الحاضرة هنا تعرفها، وتدرسها، وتساعد على نشرها. وهي "ليست دليلًا موجزًا لمبادئ وقواعد ينبغي تطبيقها، بل مسارًا للتمييز الجماعي". ومبادئها لا تحلّ محل القرارات التي يتعين عليكم اتخاذها، بل تقدّم معايير للحكم على ما إذا كانت هذه القرارات تحترم حقًا كرامة الإنسان وتخدم الخير العام. ولهذا السبب، فإن قيمة أي نقطة توافق يمكن التوصل إليها لن تُقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يؤيدونها. بل سيُعترف بها من خلال المصالح التي ستتمكن من حمايتها، وبصورة خاصة، من خلال تأثيرها في حياة الذين يملكون قدرة أقل على الدفاع عن أنفسهم. وتقدّم مبادئ العدالة الاجتماعية هنا معيارًا حاسمًا. ويمكن اعتبار النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي إنسانيًا حقًا عندما يتيح للجميع "ولاسيما للأكثر هشاشة ــ أن يعيشوا عيشًا إنسانيًا حقًا، من دون أن يُترك أحد في الخلف".

أضاف الحبر الأعظم يقول وفي ختام الرسالة العامة " Magnifica humanitas" تأمَّلتُ في شخصية النبي نحميا. فعندما واجه أورشليم وهي في حالة خراب، أصغى إلى معاناة شعبه، وحملها أمام الله، وحدد ما ينبغي القيام به، وسعى إلى تأمين الموارد اللازمة، ونظّم مشروعًا لم يكن من الممكن إنجازه إلا بمشاركة أشخاص كثيرين. وأود أن أقترح عليكم هذه الصورة نفسها من أجل العمل الذي تقومون به. وهكذا أيضًا، في عصرنا، تنهار مبانٍ عظيمة في كل مكان يتوقف فيه التقدم عن خدمة الإنسان، وحيث يفقد العمل كرامته، وحيث تُهمّش جماعات بأكملها، أو حيث ينتهي الأمر بالتكنولوجيا إلى تعميق الانقسامات التي كان ينبغي أن تساعد على تجاوزها. وكما فعل نحميا، عليكم أن تدخلوا "في ورش التاريخ - مختبرات البحث، والشركات التكنولوجية، والمدارس، ووسائل الإعلام، والمؤسسات، والجماعات المحلية - لكي تعيدوا رفع ما انهار، وتحافظوا على ما هو معرّض للخطر". وإضافة إلى ذلك، أدعوكم لكي تسمحوا لعلامات الأزمنة بأن تتحداكم، وتعانقوا إسهامات العلوم والثقافات والخبرات الإنسانية، لكي تميِّزوا السبل الممكنة للمضي قدمًا.

وختم البابا لاوُن الرابع عشر كلمته بالقول إن التفاوض هو جزء من هذا العمل، وهو جزء من "سياسة أفضل" قادرة على البحث عن الخير العام فوق المصالح الخاصة. ولذلك، أشجعكم على تنمية "ثقافة تفاوض" سليمة، قادرة على فتح مسارات تبدو فيها الاختلافات وكأنها تحول دون أي إمكانية للقاء. وبهذه الطريقة، يمكنكم أيضًا أن تسهموا في دبلوماسية السلام التي يحتاج إليها عالمنا. لم يُعد نحميا بناء أورشليم بمفرده. بل ناشد شعبه، وعمل كل شخص في القسم الذي كان مسؤولًا عن بنائه. والآن تقع عليكم مسؤولية أن تميّزوا أي جزء من هذا العمل المشترك قد أُوكل إليكم. عسى ألا يترك تقدم عصرنا وراءه أطلالًا جديدة، وعسى أن يكون كل ما نبنيه حقًا بيتًا وملجأً للجميع، بدءًا من الذين هم في أمسّ الحاجة إليه.