بقلم: أيمن فايز
ربما لم يعد أغلى ما في بعض الحفلات هو ما نسمعه، بل المكان الذي سنظهر فيه ونحن نسمعه.
مقعد بعشرات الآلاف، وطاولة بمئات الآلاف، وأحيانًا سعر بالعملة الصعبة. لا تزعجني الأرقام؛ فلكل سلعة جمهورها، ولنجم الشباك حقه في أجر يصنعه الطلب عليه.
ما يلفتني هو الهاتف المرفوع أمام الخشبة.
فنحن لا نشتري دائمًا موسيقى أو عرضًا؛ أحيانًا نشتري صورة لنا في المكان: كنت هنا، في هذا الصف، في هذه الليلة، بين هؤلاء.
كان الجمهور يدفع ليرى الفنان. واليوم يدفع بعضه أيضًا كي يراه الآخرون وهو يرى الفنان.
والأغرب أننا نفعل الشيء نفسه بالفنان.
نُكرِّمه أحيانًا حين تكون العين عليه، لا حين تكون القيمة فيه. فنان يدخل الحفل فتطارده الكاميرات، وتنتظر صوره الصحافة، ويخرج محاطًا بالحراسة؛ وفنان آخر قد يكون أثقل تجربةً وأبقى أثرًا، ينتهي الحفل وينزل السلم وحده، لأن صورته لن تصنع «ترندًا»، واسمه لن يبيع مقاعد إضافية.
الأول تحاصره الكاميرات لأنه مطلوب الآن؛ والثاني قد يحاصره الصمت رغم أن عمله أبقى.
ولهذا لا تعني الملايين التي تُدفع في صناعة الترفيه أن الفن نفسه أصبح أغلى. والدليل أن الضوء حين يرحل، نسمع أحيانًا عن فنان كان مشهورًا ثم يبحث عن عمل، أو يعجز عن إيجار أو علاج، بل وقد يجمع زملاؤه نفقات وداعه.
وفي المجتمع نفسه، قد تحتاج مدرسة إلى مبادرات العاملين فيها، أو يبحث مريض عن تبرع، أو يفتح مسرح ومعرض ومتحف أبوابه بأسعار متواضعة فلا يجد هذا الاندفاع.
ليس السؤال إذن: أين المال؟
المال موجود، لكنه لا يتحرك دائمًا وراء الحاجة، ولا حتى وراء القيمة.
إنه يتحرك كثيرًا وراء العين.
وحيث تتجه العين، تأتي الكاميرا، ويأتي الجمهور، ويأتي المال. وحين تتحول العين إلى مكان آخر، قد يبقى الفنان والفن والحاجة واقفين خارج الكادر.
وربما لهذا أصبحت صورة الموبايل أصدق من قائمة الأسعار في تفسير الظاهرة:
نحن لا ندفع فقط كي نرى…
بل ندفع كي نُرى.
ولا نُكرِّم دائمًا مَن يستحق أن يبقى…
بل مَن تستطيع الكاميرا أن تبيعه الآن.





